Wednesday, 8 August 2012

لا يتعلمون

            

             كنت أتناقش مع شخصية مقربة لي قبل الثورة وأحاول اقناعه بأن التوريث كارثة وأن مبارك حاكم ديكتاتور وفاسد وأن انتخابات مجلس الشعب الأخيرة مزورة، وكان يعارض كلامي بشدة ولا يتقبله ولا يترك للمنطق أي عنان في النقاش، فقط يصر علي كلام معيوب ومغلوط من نوعية كلام الاعلام الرسمي بتليفزيونه وصحفه وأبواقه من المنافقين والبائعين ضمائرهم لنيل رضا القصر الجمهوري والبلاط الرئاسي.

             وما إن قامت الثورة وانكشف فساد مبارك لهذا الشخص حتي قال مثله مثل أناس ليسوا بقليل "لقد خدعنا في مبارك" وسألوا السؤال الشهير آنذاك "هل كنت تتوقع هذا الكم من الفساد؟" وكنت أجيب: "طبعا وأكثر من ذلك، بل لم يعرض علينا حتي الآن النسبة الأكبر من فساد مبارك وحاشيته والتي قرأنا عنها ونعرفها جيدا من قبل الثورة".

             حسنا، خدع بعض الناس بالمتعلمين منهم للأسف الشديد في مبارك، وهذا وارد وإن كان مرير. ولكن يبقي السؤال: ما الذي خدعكم؟ خدعكم التليفزيون الرسمي الذي تتمسكون برؤيته، خدعكم صحفيو الصحف الحكومية التي صدقتموها وبعتم عقولكم وانفصلتم عن واقعكم بها، خدعكم كلام المسئولين المزين بزينة من الكذب والخداع المعسولين.

أما الآن وبعد اعترافكم بتضليلكم، لماذا تتمسكون بمشاهدة ومتابعة وقراءة ما خدعكم من قبل؟ لماذا تصرون علي تسليم عقولكم للمرة الثانية لأجهزة اعلام الحاكم؟ 

              فعندما يكذب عليك شخص طوال سنين عديدة ثم تكتشف كذبه وتُصدَم منه، هل يكون من الطبيعي أن ترجع وتصدق نفس هذا الشخص مرة آخري وخصوصا أنه لم يتغير ويمارس نفس طرقه وأساليبه؟ بالطبع لا. 

             ظاهرة متابعة الاعلام الرسمي الحكومي المسيطر عليه من الدولة الذي يصنع واقع ولا ينقله وعدم الاتعاظ من عواقب متابعته من تضليل وتزييف وتشوه للرأي هي ظاهرة خطيرة تستوجب دراسة نفسية، كالدراسة التي حدثت بعد سرقة بنك في ستوكهولم عندما رفض المحتجزون داخل البنك الافصاح عن أي معلومات عن الجناة بعدما قضوا معهم ٤٨ ساعة عصيبة تحت تهديد السلاح، وتوصلت الدراسة إلي "متلازمة ستوكهولم" التي أصبحت شهيرة في الطب النفسي وتفسر توحد المظلوم مع الظالم وتعاطفه معه لضعفه ولعدم قدرته علي مواجهة ضعفه، وهي المتلازمة التي من الممكن أن تفسر أيضا العلاقة بين الحكام الطغاة وشعوبهم التي تحبهم.

             علي أية حال، التعلم من الخطأ فضيلة وليس من الفطنة أن تستمر علي نهج ثبت لك أنه خاطئ ومضلل، وليس عيبا أن تعترف أنك أخطأت وأن الذين كنت تتهمهم بالعمالة والتحريض وتلقي تمويل أجنبي والمعارضة من أجل مصالح شخصية كانوا أصدق وأطهر وأشجع من حاشية الحاكم وبطانته الفاسدة واعلاميي القصر. حان الوقت لكي تقرأ وتطلع علي كل منابع الخبر والرأي لكي تشكل رأيا مستقلا بك لا مفروضا عليك من سلطة الحاكم عن طريق اعلامه. 

No comments:

Post a Comment