لماذا ينهرون مرسي؟ لماذا يحيونه؟ السؤالان اللذان اضطراني إلي كتابة هذا المقال؛ وجدت في الأيام الأولي لحكم مرسي تحيات وانتقادات لا أساس لها وأغلبها عاطفية تستند إلي انطباعات سابقة عن الرجل وجماعته.
عند التدقيق نجد أن هناك ثلاث فئات من الشعب؛ هناك من انتخب مرسي حبا فيه وتأييدا له في جولة الاعادة وهم الذين انتخبوه من الجولة الأولي وهم إما إخوان أم محبين لهم، وهناك من انتخب شفيق حبا فيه أو كرها في الاخوان وفي الحالتين هم أعداء للاخوان ولا يتقبلونهم، والفئة الأخيرة هي التي انتخبت مرسي لأنه أخف الضررين ولادراكهم حتمية هزيمة مرشح الدولة العميقة ونظام مبارك. أري الفئة الأولي تبرر وتدافع عن أي شئ يفعله مرسي بشكل مستفز يشوهوا به أنفسهم ومن يدافعون عنه. الفئة الثانية ترفض مجرد تنفس مرسي وتنتقده لانتقاده فقط وتفتقد الموضوعية وتتصيد أخطاء وهمية بل تفتعلها لمحاربة مرسي وهي الفئة التي اشتغل عليها الاعلام الرسمي علي مدار ٦٠ عاما لشيطنة الاخوان وزرع فيها أفكار مغلوطة عنهم ليجعل هذه الفئة "اسلاموڤوبيك" بامتياز. أما الفئة الثالثة فهي أكثرهم موضوعية وإن أراها استدرجت بعض الشئ للدفاع عن مرسي أكثر من اللازم وأستصيغ هذا قليلا وأعتبره رد فعل عن هجوم 'الفلول' المستفز علي مرسي وهم الذين كانوا منبطحين تماما أمام مبارك ومجلسه العسكري فيما بعد وكانوا يدعمون من هو أسوأ من مرسي عشرات المرات. وهنا لا أحتاج أن أسجل غضبي من جماعة الاخوان المسلمين فهم لم يؤدوا الأداء السياسي ولا الإنساني المرجو منهم طيلة الفترة الانتقالية؛فقد خانوا دماء الشهداء ووقفوا مع المجرم والجاني الذي نهروه فيما بعد في بيانات رسمية، لا أنسي التصفيق الحاد داخل مجلس الشعب لوزير الداخلية الذي كذب وقال "لا يوجد خرطوش" في حين أنه كان يقتل أبرياء سلميين في محيط وزارة الداخلية بالخرطوش وغيره اعتراضا علي تخاذل الداخلية في مجزرة بورسعيد، لا أنسي مانشيتات جريدة الحرية والعدالة التي كانت تشوه الثورة والثوار وتتهمهم بدعاة الفوضي ومنفذي المؤامرات الخارجية، ولا أنسي غيره وغيره من مواقف الاخوان المخزية طيلة الفترة الانتقالية ولعلي لا أنسي أيضا مواقفهم المخذية طيلة تاريخهم. ولكني في ذات الوقت أفرق جيدا بين القاتل والذي وقف معه في وقت من الأوقات، وأفرق بين السارق والذي لم يسرق في حياته، وأفرق بين الذي يحاول أن يجهض الثورة بكل قوته وبين الذي تخاذل في الدفاع عن الثورة.
المهم، تقييم مرسي في أيامه الأولي لم يكن علي المستوي المنشود من الموضوعية والتنزه عن الهوي وظهر هذا في عدة مواقف؛ منها تأجيل امتحان طلبة كلية الآداب جامعة القاهرة قبلها بيوم بسبب خطبته في الجامعة واعتذاره عن ذلك في خطابه، فقد رأي الكثير أن اعتذاره ايجابيا وحيوه عليه ورأيته فيه استخفاف بعقولنا وكسب لعاطفتنا لأن الاعتذار لا يفيد مادام قبل بهذا الامتهان لحقوق ألفين طالب تقريبا يؤجل امتحانهم في اللحظات الحرجة من أجل عيون السيد الرئيس وزيارته وخطبته، وكان الأجدي بالرئيس أن يرفض من يفرعنه ويرفض تأجيل امتحان الطلبة ويحدد ميعاد خطبته طبقا لجدول امتحانات الطلبة وليس العكس. أيضا تعجبت من التهليل والتعظيم لمرسي بعد خطاباته المتتالية الحماسية في أيامه الأولي، فقد تجاهل المهللون لمرسي مديحه للمجلس العسكري وثناءه علي أعضائه وركزوا علي جمله الرنانة المساندة للثورة، وهنا أتسائل كيف يجئ مرسي بحق الشهداء كما يردد في خطبه ولا يحاسب أعضاء المجلس العسكري المتورطين سياسيا علي أقل تقدير في قتل مواطنين مصريين أبرياء تهمتهم الوحيدة هي التعبير عن رأيهم وحبهم لبلدهم، بل ويزداد به الأمر فجاجة وينوي تكريم أعضاء المجلس العسكري، وهنا أحزنني تهليل البعض الكثير لمرسي بعد خطبه وتناسوا أن في نفس ذات الخطب تخلي مرسي عن حقوق الشهداء الذين جاءوا به إلي مقعده. أيضا انتقد مرسي البعض لعدم اصداره بيان ينعي فيه عمر سليمان واستندوا إلي أنه رئيس الجمهورية ويجب أن ينعي المسئولين الكبار حتي وإن اختلف معهم، وهنا أقول كيف ينعي مرسي عمر سليمان الذي خان بلده وكان صديقا ومنفذا لأوامر الأمريكان والصهاينة؟ رئيس جمهورية مصر الثورة لا ينعي خائن ولا مسئول كبير له سلطة تحريك وتوجيه نظام أهلك البلاد والعباد في السنوات السابقة. أيضا مطالبة الكثير بأن يبتعد مرسي عن الاخوان وعن مكتب الارشاد، والحقيقة أني أراها مطالبة غريبة فيها الكثير من المراهقة السياسية فكيف يبتعد مرسي عن الحزب أو الجماعة التي رشحته ونزل الانتخابات ببرنامجها؟! في أي دولة في العالم يحدث هذا؟ أتفهم أن يكون مرسي معفي من السمع والطاعة لأنه هو رئيس الجمهورية المنتخب ولا يصح أن يكون ملزما من أي جهة بقرارات معينة ولكن لا أتفهم ابتعاده عن الجماعة أو الحزب الذي يقتنع به ورشح من خلاله. أيضا اتهام مرسي بمحاولة أخونة الدولة عندما يفكر فقط في أي قرار راديكالي أو تغيير منصب سيادي كوزير الدفاع مثلا، فكيف نحاسبه ولا نعطيه الحق في اختيار مرؤوسيه واتخاذ قرارات جريئة وقوية نحن بحاجة إليها الآن؟! أيضا اختيار هشام قنديل وزير الري والموارد المائية رئيسا للوزراء والذي دافع عنه الكثير باعتباره قرار الرئيس وهو مسئول عنه ويجب اعطاؤه فرصة ليثبت نجاحه أو فشله، أوافق علي هذا الكلام ولكن قبل ذلك من حقنا أن نعرف المعايير التي تم علي أساسها اختيار رجل لا تؤهله خبراته ولا انجازاته ولا ملفه الشخصي لتولي منصب مثل هذا في وقت عصيب ودقيق كالذي نمر به الآن، ومن حقنا أن نعرف أيضا سر العلاقة التي تربطه بخيرت الشاطر والتي تسربت أخبار عنها من حقنا أن نعرف مدي صدقها، فاختيار قنديل لرئاسة الوزراء ملئ بالشكوك والتساؤلات التي علي الرئيس ايضاحها؛ فهل تم اختيار رجل ضعيف ليسهل السيطرة عليه من خلف الستار؟ ربما.
والأمثلة كثيرة علي اتباع الهوي وافتقاد الموضوعية في الحكم علي مرسي وأيامه الأولي، ربما لا يكون المجال والمساحة سامحتان لعرضها جميعا ولكن وجب التنويه، فنحن في مستهل حكم جديد لرجل يخطئ ويصيب ولا غضاضة في ذلك، الغضاضة في الدفاع أو الهجوم عليه لمجرد ذلك أو ذاك والغضاضة كل الغضاضة في رؤيتنا للخطأ صواب و العكس.

No comments:
Post a Comment