جاءت زيارة محمد مرسي رئيس الجمهورية للصين علي رأس أخبار الساعة في العالم خلال الأيام القليلة السابقة لما للبلدين من ثقل علي المستويين الاقليمي والدولي. كما أنه تأكيدا لأهمية هذه الزيارة، فقد سافر وفدا من ٧٠ رجل أعمال و ٧ وزراء بالاضافة إلي الصحفيين إلي بكين لمرافقة الرئيس في زيارته، وخرج علينا ياسر علي المتحدث باسم الرئاسة ليؤكد أن هذه الزيارة تهدف إلي توطيد العلاقات الاقتصادية والسياسية والثقافية بين البلدين.
لم تتطرق المباحثات بين الرئيسين أو بين وزراء خارجية البلدين لأي قضايا سياسية شائكة أو ملفات دولية متأزمة أو خلافات اقليمية استراتيجية، وعلي الأرجح أن الزيارة لم تقترب أيضا من الملف السوري خصوصا وأن النظام الصيني من أكبر داعمي نظام الأسد في سوريا. أما علي المستوي الثقافي، فقد جاءت اتفاقات روتينية أو بروتوكولية بتعزيز التبادل الثقافي وأشياء من هذا القبيل. النصيب الأهم والأكبر في الزيارة كان لحساب العلاقات الاقتصادية، وقد تجلي ذلك في اصطحاب الرئيس ل ٧٠ رجل أعمال و وزيري الاستثمار والصناعة والتجارة الخارجية.
ولكن يبقي السؤال دائما: ماذا حققت مصر من هذه الزيارة؟ هل تم الاستفادة المثلي منها؟ هل تم التخطيط لها جيدا؟ من الذي أدار ما حدث فيها من اتفاقات؟ هل تمت هذه الاتفاقات وفقا لخطط تنمية معدة من الدولة؟ هل هذه الاتفاقات تخدم مصر أم أنها مجرد بيزنس بين رجال أعمال؟ ومن الذي اختار هؤلاء التجار ولماذا هم بالذات؟
السيد حسن مالك وهو رجل الأعمال الاخواني المعروف هو الذي اختار وفد رجال الأعمال المصاحب للرئيس ورأسه، وهو رئيس لجنة تواصل رجال الأعمال مع مؤسسة الرئاسة. السؤال هنا: ما هو دور هذه اللجنة وما الحاجة لها في ظل وجود وزارة للاستثمار و وزارة آخري للصناعة والتجارة الخارجية قادرتين علي التعامل مع رجال الأعمال وغيرهم؟ هل يجامل الرئيس زملائه في الجماعة بمناصب وهمية تتداخل مع المناصب التنفيذية للدولة؟ هل تكون لجنة التواصل تلك بديلة للجنة سياسات الحزب الوطني التي كان يديرها ويتحكم فيها كبار رجال أعمال جمال مبارك؟ هل تكون وسيلة لتقارب السلطة مع المال؟
ضم الوفد المصاحب للرئيس رجال أعمال بارزين وقياديين سابقين في الحزب الوطني المنحل أمثال خالد أبوالمكارم ووليد هلال ومحمد فريد خميس وشريف الجبلي ومحمد عوض تاج الدين وفريد الطوبجي وغيرهم كثيرين. بل ازداد الأمر سوءا ليصل إلي حد دفاع حسن مالك رئيس الوفد عن ذلك قائلا "لا يجب إقحام السياسة في الموضوع، لا يجب إدخال السياسة في مجتمع رجال الأعمال، كما أن عالم الصناعة والبيزنس لا يعرف تيارات سياسية، ورجال الأعمال في مصر كلهم حاجة واحدة". بهذه الجمل المعيبة المتواطئة مع الفساد والسرقة ولصوص القوت والعيش، جاء رد حسن مالك علي مشاركة رجال الأعمال الفلول في وفد الرئيس. بل ذهب به الأمر لأبعد من ذلك في دفاعه عنهم ليقول في لقاء تليفزيوني أن نظام مبارك لم يترك أحدا إلا ولوثه، داعيا للالتفات إلي البناء علي حد قوله.
هنا يتبلور تحالف جديد في المشهد السياسي المصري والذي لا أستطيع فصل الاقتصاد عنه، فقد تحالف رجال أعمال جمال مبارك مع الاخوان لوحدة الغاية والوسيلة؛ كلاهما يتبنيان رؤية اقتصادية رأسمالية متوحشة تتبني اقتصاد السوق الحر الذي يبتلع الفقراء ولا يقيم نهضة ولا تنمية حقيقية لأي بلد صاعد، كما أن كلاهما يهتمان بالنمو الاقتصادي السريع علي حساب التنمية الحقيقية والعدالة الاجتماعية. كما أن السلطة متمثلة في الاخوان يهمها ولاء رجال الأعمال لها وتبني رؤيتها الاقتصادية التي تكاد تكون متطابقة، ورجال الأعمال من الناحية الآخري لا يهمهم سوي مصالحهم وزيادة الأرباح حتي لو كلفهم ذلك قبول الاخوان والتفاهم بل والتحالف معهم وقد تجلي ذلك في تصريحات كبار رجال أعمال مبارك مثل أبوالعينين الذي كان يدعم شفيق في الانتخابات بكل ما أوتي من قوة والذي قال إنه يرحب بمنافسة رجال الأعمال الاخوان ويوصي بضرورة مساندة مرسي الرئيس المنتخب.
بدأت بوادر التصالح مع رجال أعمال مبارك وتبني نفس طرقهم وأساليبهم وخططهم الاقتصادية عندما تم اختيار أسامة صالح وزيرا للاستثمار ومن المعروف أنه مقرب من جمال مبارك ومحمود محي الدين وزير الخصخصة كما أنه له علاقات بالعديد من رجال أعمال لجنة سياسات الحزب الوطني. هذا بالاضافة للاشارة من قبل حسن مالك نفسه إلي التصالح مع رجال الأعمال الذين انتفعوا من نظام مبارك وفسدوا وأفسدوا، كما أن هناك مرسوم بقانون كان قد أصدره المجلس العسكري قبل انعقاد البرلمان بأيام للتصالح مع رجال الأعمال الفاسدين ولم يلغي حتي الآن.
التصالح مع رجال أعمال العهد البائد يتم في هدوء مع تطويعهم في نفس الوقت لتبني نهج الاخوان اقتصاديا (المقبول لديهم) وربما سياسيا في القريب العاجل، ورجال الأعمال هؤلاء لا يعرفون إلا لغة المال ولا يجدون غضاضة في أي تحالفات سياسية أو اقتصادية مادامت ستزيد من أرباح شركاتهم ومصانعهم.
علي أية حال، تمت الاستعانة بأباطرة البيزنس كمرافقين للرئيس ولم يستبعد الفاسدين المنتفعين الآكلين قوت شعوبهم من الوفد المصاحب له، بل وتمت مكافأتهم باتاحة الفرصة لهم لابرام الصفقات والاتفاقات مع الجهات الاقتصادية الصينية لكي ترتفع أرباحهم أكثر وأكثر.
فقد صرح حسن مالك رئيس الوفد أنه تم توقيع اتفاقيات مبدئية بين رجال الأعمال في مصر والصين بما يوازي ٥,٨ مليار دولار. المؤكد أن أغلب هذه الاتفاقيات اتفاقيات تجارية لا تؤسس لتنمية حقيقية ولا صناعة قومية قوية يبني عليها اقتصاد قوي، فهل يعقل أن يكون معظم رجال الأعمال المسافرين مع الرئيس من التجار؟ كونهم من التجار يعني ميل الميزان التجاري لصالح الصين أكثر وأكثر، لأننا بطبيعة الحال سنستورد منهم أكثر من تصديرنا لهم. فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين في العام السابق ٨,٨ مليار دولار، منهم ٧,٣ مليار دولار صادرات صينية بينما وصلت صادرات مصر إلي ١,٥ مليار دولار فقط. ففي ظل تعطل الانتاج في عدة مصانع وإغلاق مصانع آخري برمتها حتي أنه أغلق ١٤٠ مصنعا بسوهاج فقط بسبب الأعباء المادية وغياب دعم الدولة وسلبيتها والبيروقراطية الزائدة، لا نستطيع أن نقول أن هذه الاتفاقيات التجارية مع الصين ستكون في صالح ميزاننا التجاري معها. إذا، نحن أمام ميزان تجاري يميل أكثر نحو الاستيراد واستنزاف العملة الأجنبية وخروجها خارج البلاد وزيادة العجز فيها.
هذه الاتفاقيات أو أغلبها إنما تذهب بالنفع علي حفنة من رجال الأعمال وتزيد من أرباحهم من التجارة علي حساب اقتصاد الدولة وتنميتها. الدولة يا سادة ليست سوبرماركت من سلاسل الشاطر مهندس مشروع النهضة الفشنك، التعامل مع اقتصاد دولة ليس كالتعامل مع كشك سجائر هدفه زيادة أرباحه وفقط، النمو الاقتصادي فقط ليس كافيا وإلا فأهلا باقتصاد جمال مبارك الذي كان يحقق نموا اقتصاديا.
عند التفحص في وفد رجال الأعمال المسافرين مع الرئيس، نجد أن أغلبهم تجار وأنه قد تم استبعاد رجال الصناعة، فقد تم تجاهل المؤسسات الصناعية الشرعية والمتمثلة في ١٦ غرفة صناعية يضمها اتحاد الصناعات، وكان من الأجدي تشكيل ورشة عمل برئاسة وزيري الاستثمار والصناعة والتجارة الخارجية لوضع خطة لتطوير الصناعات وانشاء مصانع جديدة وتطوير القائم منها ودراسة الصناعات التي تحتاج إلي ضخ استثمارات جديدة قبل السفر إلي الصين والاتفاق علي صفقات تجارية لن تقدم لاقتصاد البلاد وتنميتها شيئا.
من الملفت للانتباه أيضا مشاركة نحو ٤ شركات لتجارة السيارات في الوفد، الأمر الذي استغربته كثيرا. فمن المؤكد أن اتفاقيات هذه الشركات مع نظيرتها الصينية تقوم علي الاستيراد فقط، فتزيد السبوبة لممتلكي تلك الشركات علي حساب المواطن الفقير الذي يتحمل وحده المعاناة من سياسات الاستيراد وتداعياتها علي قوت يومه.
الاهتمام بالتجارة أو الاستيراد بالأحري علي حساب التصنيع ودعم الصناعة المحلية لن يقيم لتلك البلاد قائمة، فالاعتماد علي السوق الحر وتحرير التبادل التجاري والمغالاة فيه سيؤثر حتما بالسلب علي الصناعة المحلية وسيجعلنا أسري لفكرة الدولة المستهلكة لا المنتجة، وهذا ما تريده منا التكتلات الاقتصادية الكبيرة في العالم وهذا ما تدفعنا في اتجاهه، فيجب علينا الفطنة وعدم الانجراف وراء سياسات أودت بنا إلي الضياع، ولكن من الواضح أن الاخوان قد اختاروا أن يكونوا امتدادا لنظام مبارك الاقتصادي.
قبل زيارة سبوبة رجال الأعمال تلك، خرج علينا حسن مالك ليقر بمبادرتهم بطلب تحمل كافة نفقات الرحلة في توجه لعدم تحميل الدولة أي أعباء، وتناسي مالك كما تناسي زملاؤه من أباطرة البيزنس أن الدولة قد قدمت لهم جميلا كبيرا وحملت الشعب ثمن أرباحهم القادمة وبذلك تكون نفقات الرحلة مقدمة ل "مؤخرة" ممتازة وأرباح وهمية. عن أي أعباء علي الدولة تتكلمون يا من سرقتم مصر وحملتوها فوق طاقاتها وداينتوها وأفقرتموها؟ حقا، إن لم تستحي فافعل ما شئت.
ضرورة التخطيط ورجوع دور الدولة في رسم الخطوط العريضة لبناء مصر اقتصاديا يعد أمرا محسوما وحتميا في ظروف بلادنا الآن، فلا يمكن لبلد نامي أن يتقدم بهذه السياسات الاقتصادية المعيبة، ولا يمكن أن نتقدم في ظل هذا التخبط وانعدام الرؤية الذي نعاني منه الآن. فالصين علي سبيل المثال تحتل المرتبة ٢٥ بالنسبة للدول التي تستثمر في مصر بحوالي نصف مليار دولار فقط، فهل يعقل أن تكون هذه هي حجم استثمارات دولة بحجم الصين (تتجاوز استثماراتها ٦٠ مليار دولار حول العالم) في مصر؟ نحتاج إلي فتح ملف الاستثمارات الأجنبية في مصر والتعامل مع كل دولة بحجمها الاقتصادي دون تقليل أو تضخيم، مع اعطاء الأولوية للاستثمارات في مجال التصنيع والإنتاج، وأن تكون الاستثمارات وفقا لخطط الدولة لا لأهواء رجال الأعمال ومصالحهم.
ولكن أين خطط الدولة ومشروع النهضة الذي تفاخر به أعضاء الحزب الحاكم وجماعته قد تبين أنه كذبة كبيرة؟ فقد قال الشاطر منذ أيام قليلة فقط أنه ليس لديهم برنامج واضح ومحدد لمشروع النهضة ! وبذلك يكون قد كشف بنفسه عن كذبه وكذب أعضاء جماعته الذين كانوا يؤكدون لنا ليلا نهارا قبيل الانتخابات أن مشروع النهضة مشروع مفصل ومتكامل وقابل للتنفيذ من أول يوم، وبهذا يكون مشروع النهضة أكبر نصباية من الجماعة علي من انتخبوا مرشحها.
في ظل غياب المشروع والتخطيط، لن تقوم للبلاد قائمة، وسيظل رئيس بلادنا يستقبل في مطارات الدول المضيفة من نائب وزير خارجيتها فقط مثلما حدث مع مرسي في هذه الزيارة.
الشعب رقيب عليكم. اللهم بلغت.

No comments:
Post a Comment