Wednesday, 5 September 2012

خطاب الرئيس في ايران

            
        قطيعة بالإنابة عن الامبريالية المتعفنة وملوك البترول الطغاة أنهاها شعب أرسل رئيسه لينوب عنه فوفق إلي حد كبير. دخل أول رئيس مصري منتخب ايران مترأسا للقمة ال ١٦ لدول حركة عدم الانحياز وألقي خطابا جيدا في مجمله لم يعيبه سوي بدايته.

       بدأ مرسي خطابه في طهران بالترضية علي الصحابة وذكر أسماء الخلفاء الراشدين اسما اسما وترضي عليهم، وهو ما لم يفعله في خطاباته السابقة المحلية منها أو الاقليمية الدولية منذ أن أصبح رئيسا، مما سلط الضوء علي قصده فعل ذلك في ايران الشيعية فقط. هلل البعض لهذه البداية واعتبروها تمسكا بالهوية والمذهب في بلد مخالفة لنا في ذلك وذهبوا يتفاخرون بالرئيس "اللي مش همه حاجة" ويعلن ما يعتقد ويؤمن به جهارا ولو في وجه من، رأوه بطلا ورأيته غير ذلك. 

       تذكرت وأنا أسمع بداية الخطاب وهذا الترضي ما قاله مرسي في نهاية زيارته للسعودية في بداية ولايته الرئاسية، عندما قال "إن مصر والسعودية حاميتان للإسلام الوسطي السني"، ولم أستطع الفصل بين هذين المشهدين أو كلا الحديثين. بصرف النظر عن خرافة أن السعودية تحمي الاسلام الوسطي، رأيت تصريح مرسي بأن مصر والسعودية حاميتان للاسلام السني فيه عنصرية مذهبية شديدة لا يصح أن تقوم عليها الخارجية المصرية ولا سياساتها كما رأيت في الترضية علي الصحابة بقصد اظهار ذلك في دولة شيعية ترسيخا لنفس الفكرة ورأيت فيها الكثير من المراهقة السياسية. 

       الخلاف المذهبي والاستقطاب القائم علي أساس سنة - شيعة لا يصح بأي حال من الأحوال أن يصل إلي مستوي الدبلوماسية أو السياسة الخارجية المصرية كما لا تستقيم بلورته هكذا في الخطاب السياسي لمرسي في أيامه الأولي بهذه الصورة المؤسفة. وبناءا عليه، فلم أري بطولة في الترضية علي الصحابة خصيصا في أرض ايران الشيعية   بقدر ما رأيت طفولة دبلوماسية وعدم نضج سياسي في ذلك، خصوصا وأن هذه الترضية لم يكن لها أي داعي أو بعد يخدم القضية أو الخطاب السياسي المصري.

       علي كل حال، صال وجال السيد مرسي بعد بداية خطابه الغير موفقة ممسكا بخيوط كلامه جيدا ومتحكما تحكما بارعا في كل ما يقول، فعند سماعي الخطاب تذكرت الرئيس المخلوع عندما قدم طاغية من طغاة العرب بملك ملوك أفريقيا في نفس المؤتمر من قبل وقلت في نفسي هناك فرق. 

      فقد انحاز مرسي في خطابه بوضوح للثورة السورية علي حساب نظام بشار الاجرامي في عقر دار كبير مؤيديه. كما أقر بأن التضامن ضد نظام قمعي فقد شرعيته، علي حد تعبيره، هو واجب أخلاقي وضرورة سياسية أيضا، ثم اعترف بأن نزيف الدم في سوريا في رقابنا جميعا.

       ذهب مرسي إلي أبعد من ذلك عندما ربط بين نضال الشعب السوري والفلسطيني معلنا بذلك مكان بشار الحقيقي وسط الطغاة والسفاحين. ثم ذهب لينتقد سياسات الصهاينة وانتهاكاتهم لحقوق الفلسطينيين المتكررة، وانتقد منع الكيان الصهيوني دخول بعض وزراء دول حركة عدم الانحياز لحضور اجتماع وزاري طارئ للجنة فلسطين والأراضي الفلسطينية في رام الله في ٥ أغسطس الماضي. كما انتقد العقوبات الاقتصادية الجائرة التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية علي كوبا، وشدد علي حق حصول جميع البلاد علي الطاقة النووية السلمية. 

       جميل أن ينحاز الرئيس المصري إلي الثورة السورية ويقف بكلمته ضد طاغية مثل بشار وموازين القوي لم تتضح بعد هناك (وإن كان سقوط بشار حتمي)، وجميل أن يقف بكلمته أيضا ضد سياسات صهيونية وأمريكية. ولكن، هل يكفي هذا؟ فهل يستقيم أن يقول الرئيس المصري أن نزيف الدم في سوريا في رقابنا جميعا وأن يقر بأن نظام بشار قد فقد شرعيته وهو لا يزال يتبادل السفراء مع نظامه؟ ألا يري السيد مرسي تناقضا صارخا في هذا؟ هل سيكتفي مرسي بالكلام والشجب والإدانة أم سينتقل إلي خانة تفعيل ما يقول؟ هل سيمنع مرور أسلحة من قناة السويس لنظام بشار أم يبرر حدوث ذلك استنادا إلي اتفاقية القسطنطينية المعيبة التي وقع عليها دول الاحتلال عام ١٨٨٨م ثم أخلوا بها؟ هل سيتحجج بهذه الاتفاقية التي أسقطها مبرموها بالعدوان الثلاثي علي مصر ويتغاضي عن اتفاقيات عديدة كالدفاع العربي المشترك وغيرها؟ ثم هل سيكون دعم القضية الفلسطينية بالخطب الرنانة فقط أم بمواقف ملموسة أكثر تأثيرا وفعاليةً؟ هل سيستمر التطبيع الاقتصادي والسياسي مع الكيان الصهيوني؟ ثم هل يكون شجب السياسات الأمريكية بالكلام فقط؟ هل يستقيم هذا الشجب مع السير في ركاب أمريكا اقتصاديا والتفاوض حول قرض صندوق النقد الدولي برعاية أمريكية؟ ثم هل يكون هذا الشجب بداية لاستقلال سياسي عن أمريكا أم مجرد نقد حميد تتقبله ثم يتم تطويعه مجددا ليدخل تحت عباءة الأمريكان؟

     أسئلة كثيرة موجهة لمرسي وعليه اجابتها اجابات مرضية شافية للشعب الذي انتخبه؛ لا ليخطب ولكن لينفذ ويعمل.

No comments:

Post a Comment