الدولة
عرف ماكس فيبـر، أحد مؤسسي علم الاجتماع الحديث، الدولة بـ "الحق في احتكار العنف" وهو
التعريف الذي
أصبح
محوريا في الفلسفة السياسية والقانونية في المائة عام
الأخيرة، ولكنه أكد أيضا على أن يكون هذا العنف المحتكر في الإطار الشرعي. الحقيقة أن السلطة في بلادنا تسعى دائما إلى احتكار العنف بشقيه الشرعي والغير شرعي وتفرط في استخدامه، ولكنها تحاول الالتفاف حول العنف الغير شرعي وتبرره وتمحوره لصبه في قالب العنف الشرعي والمحافظة على تعريف فيبر
أملا في الحفاظ على سلطة الدولة.
تستخدم السلطة وسائل عدة في عملية التزييف تلك كلها عن طريق الهيمنة على طريقة تفكير المحكومين والذي يسمى بـ "الهيمنة الأيديولوجية"
أو "الهيمنة على الثقافة كوسيلة للابقاء على الحكم في مجتمع رأسمالي" وهو
المفهوم الذي اشتهر به جرامشي. فتجد الاعلام والتعليم ومصادر المعلومات تحت سيطرة الدولة وطبقة
من
المنتفعين منها على مدار عقود، ويغذي تلك الثقافة الراسخة التي تحاول الدولة صنعها بإستمرار خطاب سياسي يمتلأ بالتبرير والمراوغة وتزييف الحقائق فقط للحفاظ على احتكار العنف وتبرير الغير شرعي منه والتسول على اضفاء الشرعية له
فتبقى
السلطة وعنفها بشقيه لتحافظ على مصالحها ومصالح طبقة ضيقة تمتلك الثروة ليتفرج الشعب على السلطة والثروة مضحوكا عليه بخطاب السلطة وهيمنتها الأيديولوجية عليه.
الثورة
ومحاولات الهيمنة
الأيديولوجية
لم يتفرج الشعب.
لم تندلع الثورة في يناير 2011من العدم، فهي
نتاج
لممارسات ظالمة وانحيازات اجتماعية واضحة ضد الفقراء
لحساب طبقة من الأغنياء وممتلكي الثروة على مدار عقود حتى تبلور التوحد بين من في السلطة ومن يمتلك الثروة وازداد قمع من تسول له نفسه فك هذا الارتباط واعادة السلطة والثروة للشعب وضبط الموازين
الاجتماعية والسياسية.
يحاول تحالف السلطةوالثروة
((والبعض بسوء أو حسن نية) دائما تصوير الثورة على أنها ثورة سياسية تهدف بالأساس إلى إصلاحات سياسية وحسب وهذا محض افتراء وافتقار للرؤية. فإذا اتفقنا على أن السياسة وسيلة للحياة الكريمة والعدالة الاجتماعية وليست غاية، سندرك أن الثورة لها جذور قوية تتعلق بالفقر وسوء أحوال المعيشة والفجوة بين الطبقات والظلم الاجتماعي الفج "عيش عدالة اجتماعية" ثم بجهاز أمني قمعي يبطش بمن يعترض على تلك السياسات المفقرة الظالمة ويسلب حريات وحقوق المواطنين
"حرية كرامة انسانية".
المحاولة الأخرى
((والتي لها علاقة مباشرة بالمحاولة الأولي) لتحالف السلطة والثروة (والبعض بسوء أو
حسن نية) هي تصوير الثورة على أنها ثورة انترنت أو فيسبوك أو ثورة "شباب طاهر"
جامعي "ابن ناس"، وهو محض انعزال عن الثورة والواقع. الثورة هي انفجار لحالة الغضب التي ظهرت في السنوات الأخيرة لحكم مبارك والتي تبلورت عام 2010 في 530 احتجاجا عماليا و 209 اعتصاما و 135 اضرابا و 80 مظاهرة و 83 وقفة احتجاجية و 23 تجمهرا حسب مؤسسة أولاد الأرض لحقوق الانسان والمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وقبل كل ذلك
في
سنوات سابقة العديد من المظاهرات والاعتصامات والاضرابات العمالية التي لم يكن للإنترنت أو الشباب الجامعي الطاهر فقط دور بها ولكنه كان غضب شعب يتصاعد ليوحي ببركان قادم.
تصوير الثورة على أنها سياسية وتفريغها من بعدها الاجتماعي جريمة.
تختزل المحاولتان
الثورة في كونها ثورة "شباب طاهر شيك من الانترنت" تحمل مطالب سياسية فقط، وبهذا يعاد إنتاج تحالف السلطة والثروة
ربما
بأسماء مختلفة ولكن بنفس الموازين والانحيازات الاجتماعية تحت غطاء اصلاحات سياسية شكلية،
لتتيح الفرصة والأرضية للمحاولة الثالثة ألا وهي اختلاق سلمية الثورة من أجل الرجوع لمفهوم إحتكار
الدولة للعنف
وحمايتها من السقوط للحفاظ على مصالح مقيتة معينة.
السلمية
المزعومة: 28 يناير – آفة حارتنا النسيان
فشلت محاولات الهيمنة الأيديولوجية ورفض الشعب احتكار الدولة للعنف فكان 28 يناير.
بدأت الثورة يوم 25 يناير بسلمية وعندما واجهها أمن مبارك والعادلي بـوحشية دافعت عن نفسها وردت العنف بعنف؛ المؤكد أن عنف الأمن كان أكثر حدة ولا يقارن بعنف رد الفعل من المتظاهرين ولكن الحقيقة الغير قابلة للنفي أن ردنا كان عنيفا دفاعا عن أنفسنا وعن قضيتنا، دفاعا
عن الثورة والحق في الحياة. فعلى سبيل المثال، هاجم ثوار السويس من يوم 25 إلى 28 يناير الأقسام وأطلقوا النار عليها وحاصروا تشكيلات الأمن المركزي وأمطروا
المدرعات بالمولوتوف.
أما 28 يناير فحدث ولا حرج
فقد
كان يوم المولوتوف
بإمتياز، وتم احراق أقسام الشرطة ومقرات الحزب الوطني في جميع المحافظات
ومحاكم ومباني بعض المحافظات والمجالس المحلية واقتحمت السجون وقتل بعض رجال الشرطة وأصيب منهم عدد اخر ليس بقليل. لولا عنف رد الفعل منا يوم 28 يناير ما كانت الثورة. إنه عنف يحرق ويدمر مقرات
ورموز
دولة الظلم والإفقار، لم يكن الثوار "أطهارا" بل كانوا
مصممين على اسقاط النظام الذي يقتلهم بأي شكل، لم يكن الثوار "كتاكيت مسالمين طيبين"
كما
يحاول تحالف السلطة والثروة الجديد ايصاله وتزغيطه لنا مراهنا على ضعف ذاكرتنا لاحتكار العنف الغير الشرعي
الآن الذي يتوهم أنه سيحافظ له على الوضع القائم.
خطاب السلطة
بعد قتل المصريين على يد قوات الدولة النظامية المسلحة الممثلة في عصابات الداخلية
في
الذكرى الثانية
لقيام الثورة:
ياسر محرز، المتحدث
الرسمي باسم جماعة الإخوان المسلمين، يدين محاولات الخلط بين مفهوم الثورة وسلميتها
وبين ما يحدث لمنشآت الدولة من اعتداءات.
محمد مرسي رئيس الجمهورية يقول في خطاب له :وجدنا انحراف عن سلمية الثورة، إن ما شهدناه من أعمال عنف لا تمت للثورة المصرية السلمية بأي صلة ولا يمكن
توصيفها إلا خروجا على القانون وخروجا على
الثورة بل هي الثورة المضادة بوجهها القبيح. فالمصريون الثائرون الشرفاء يدينون ويرفضون
تلك التصرفات.
خطاب متكرر من السلطة، قاله مبارك وحاشيته عن مظاهرات 25 يناير السلمية "الكيوت"
منتقدا العنف الذي حدث في 28 يناير "الثورة"، ثم ردده المجلس العسكري في هجومه على مظاهرات واحتجاجات ما بعد التنحي مهرتلا بعبارات الثورة السلمية والشباب الطاهر، ويردده الآن الاخوان المسلمون وممثلهم في القصر السيد مرسي.
بهذا الخطاب، تسقط السلطة جرائمها وعنفها الوحشي دائما على انتهاك المتظاهرين
لسلمية الثورة
التي
اختلقوها في خطابهم الخبيث المقصد.
المؤسف أن هذا الخطاب لاقى رواجا في القواعد الإعلامية والسياسية وانتقل بدوره إلى بعض القواعد الشعبية حتى رأينا من يردد هذا الخطاب
كالببغاوات في تجسيد ملموس لفكرة "تكرار الكدبة حتى تصدقها".
الغطاء
السياسي
للعنف
إرهاب السلطة الفكري الذي تمارسه على الشخصيات السياسية المعارضة باتهامها برعاية العنف وتوفير غطاء سياسي له
يأتي
بثماره ويقع بهم أسرى في فخ الهيمنة الأيديولوجية التي تنصبه لهم دوما، فلا يوجد شخصية سياسية
معارضة تقريبا إلا وسارعت بإعلانها نبذ العنف والالتزام بسلمية الثورة، وهذا لم يمنع السلطة من الكف عن ادعاءاتها الكاذبة بشأن غطاء المعارضة السياسي للعنف.
الشخصيات السياسية المعارضة هرولت لتوقع مع أحزابهم على وثيقة الأزهر لنبذ العنف والتي جاءت مبتذلة وهابطة وبها ترويج لخطاب السلطة في شكل "وسطي"
تحت رعاية كيان ديني "معتدل" لكسب أرضية جديدة تعاود السلطة من خلالها احتكارها للعنف
حيث أن الوثيقة جاءت خالية من أي إدانة لعنف الجهاز القمعي للدولة.
كان الأجدى والأصح أن يبلور المعارضين السياسيين
رفضهم
لعنف الدولة "المسلح المزهق
للأرواح" وأنه مع غيره من سياسات النظام أدى إلى عنف رد الفعل "التخريبي" من المتظاهرين الذين طفح بهم الكيل ولم يروا تغييرا في انحيازات وسياسات الدولة الظالمة فخرجوا
يقذفون بعفوية مقرات
رمزية
تمثل الحكم بالطوب والمولوتوف
لأنها
ببساطة كما هي، كأن ثورة لم تقم.
من الذي يقدم الغطاء السياسي للعنف؟
خرج محمد مرسي علينا في خطاب رسمي بعد هجوم ميليشيات جماعته (الذين جاءتهم أوامر تنظيمية بالنزول) المسلحة (بالخرطوش والآلي وقنابل الغاز والأسلحة البيضاء)
على
معتصمي الاتحادية وقتلهم المتظاهرين السلميين وسحلهم وتعذيبهم على أسوار القصر الرئاسي ليشكرهم ويصورهم كالأبطال عندما قال أنهم قدموا حياتهم دفاعا عن الشرعية.
وعقب مجازر السويس وبورسعيد واشتباكات قصر النيل ويوسف الجندي في الذكرى الثانية للثورة وقتل ما يقرب من 60متظاهر على يد الداخلية، يخرج الرئيس في خطاب رسمي آخر ليحيي ويشكر رجال الشرطة على الجهود
الكبيرة التي بذلوها في
الدفاع عن المواطنين ويقر باصداره
تعليمات إليهم وبكل وضوح بالتعامل بمنتهى الحزم والقوة. كما يأتي بيان رسمي من الاخوان المسلمين بالآتي "تحية لأفراد الشرطة الذين أدوا وبذلوا أقصى ما في وسعهم
ودافعوا عن المؤسسات والأرواح والممتلكات أمام المخربين الفوضويين".
السلطة هي الجهة
الوحيدة في البلاد
التي توفر للعنف غطاءا سياسيا، وإذا استندنا لما
قاله السيد مرسي
في خطابه الأخير
"إن الشعب المصري يرفض
أعمال
العنف كما يرفض من يدافعون عنها أو يسكتون عن إدانتها"، سنصل إلى أن الشعب المصري يرفض من في السلطة ويرفض الرئيس.
هذا تقرير يكشف
عينة من جرائم القتل والتعذيب على يد الشرطة في الشهور
الأربعة الأولى من حكم الرئيس مرسي.
لا تحرك السلطة
ولا تهز لها
شعرة جرائم الداخلية
وعنفها وقتلها المصريين
المتظاهرين وغير المتظاهرين
بل تدعمها وتؤيدها وتشد
من أزرها طالما ظلت
ممارساتها بعيد عن
كاميرات الإعلام وتسليط
الأضواء "سلطة تخاف ما
تختشيش"، وحتى
وإن تسرب البعض
فإن التدليس والكذب
في الخطاب التبريري الساعي
لتبييض الوجه كافي
من وجهة نظرهم رغم
سذاجته لمحو آثارها، فتصريح مدير الإدارة العامة للأمن المركزي بالقاهرة بـأن قوات الأمن المركزي
على مستوى الجمهورية لاتمتلك أية أسلحة خرطوش وأنهم
يتعاملون مع مثيري الشغب بالغاز وطلقات الصوت فقط وتصريح مدير الإدارة العامة للإعلام والعلاقات بوزارة الداخلية
بـأن المدرعة التي دهست مواطن بالتحرير كان يقودها عدد من المتظاهرين هي مجرد
أمثلة لذلك الخطاب التبريري الساذج للسلطة الذي لا يمثل لمستمعيه سوى كونه مادة خصبة للسخرية والمسخرة.
تتحرك السلطة فقط عندما تصور الفضائح كواقعة سحل المواطن الشهيرة بالاتحادية وتنشر في وسائل الاعلام المحلية والدولية، فيخرج الاخوان والرئاسة
ومجلس الوزراء ووزارة
الداخلية ليدينوا الواقعة حيث إنها مصورة
وفجة ولا يمكن
تبريرها فيتم إدانتها
والوعد بفتح تحقيق
بها في صورة
موحية بـنقد الذات
وتصحيح المسار فقط
لتنويم الرأي العام
والحفاظ على احتكار
العنف مجددا، ولا مانع من
محاولات من وزارة
الداخلية للضغط على
الضحية وإرهابه لتغيير
أقواله )كما يفعلون وتنجح
محاولاتهم في تغيير
أقوال حوالي نصف
ضحايا التعذيب بالترغيب
والترهيب) وتمليته تهم مفبركة
للمتظاهرين بـأنهم يحملون السلاح وأنهم أصابوه بـالخرطوش وجردوه
من ملابسه، مع
غطاء اعلامي من
اعلام الدولة كالتقرير الذي نشره التليفزيون
المصري عن واقعة
السحل وفيه يظهر
عناية رجال الداخلية
بالضحية ويقول "دور في
غاية الأهمية لقطاع حقوق الانسان بوزارة الداخلية" ثم
ينشر كلمة ل"مساعد وزير
الداخلية لقطاع حقوق الانسان" الذي يتكلم ببجاحة عن كيفية
تعامل الضباط مع المواطنين ورميهم إياهم بالورود والشوكولاتات والدباديب وفخرهم
بخدمته.
"حقوق إنسان وزارة الداخلية؟ إيه اللي جاب القلعة جنب البحر؟"
نيلسون مانديلا والعنف الثوري ومحاكاة الواقع المصري
لم أجد شيئا
يحاكي الواقع المصري
وجدلية العنف الثوري
والسلمية أكثر من مرافعة نيلسون مانديلا عن نفسه من
قفص الاتهام في محاكمة ريفونيا
التاريخية السيئة السمعة والتي
حوكم فيها 10 قيادات من المؤتمر الوطني
الأفريقي بتهم التخريب
والعمالة والشيوعية وسجن مانديلا
نتيجة لها قرابة
ال 26 عاما
.
اعترف مانديلا بـالدعوة
للتخريب والنية للاتجاه
نحو النضال المسلح شارحا أسباب ترك السلمية وفقا
للسياق السياسي العام وقتها أمام المحكمة العليا
بـبريتوريا في 20 ابريل .1964انضم مانديلا
عام 1944 للمؤتمر الوطني الأفريقي
الذي أنشأ عام ١٩١٢ للمدافعة عن حقوق الأفارقة وكان
له دوره بعد
ذلك في مقاومة
نظام الفصل العنصري
في جنوب أفريقيا.
تَرْجَمت بعض النصوص
من نص المرافعة
باللغة الإنجليزية وأعرضها لكم
هنا .الآتي على
لسان مانديلا:
أنا أول المتهمين.
بخصوص مسألة العنف، لا أنكر التخطيط
للقيام بـأعمال تخريبية، لم أخطط لذلك
متهورا ولا حبا
في العنف ولكن
نتيجة تقييم هادئ
ورزين للموقف السياسي
بعد سنوات عديدة
من الطغيان والاستغلال
والظلم عانى منها
شعبي من البيض.
أولا، كنا نؤمن بأن سياسة الحكومة ستؤدي حتما إلى عنف المواطنين الأفارقة، وأنه بدون قيادة
مسئولة تستوعب مشاعر
الناس وتوجهها، سيتفشي الإرهاب
مما سيزيد من
حدة المرارة والعداء
بين الأعراق المختلفة. ثانيا، شعرنا
أن بدون عنف
لن ننجح في
التخلص من سيادة
البيض. كل الطرق
القانونية لمعارضة تلك
السيادة قد تم
اغلاقها بالتشريع، واضطررنا إما
أن نقبل ذلك
الوضع أو أن
نتحدى الحكومة. اخترنا أن نرفض القانون. خالفنا القانون في البداية بطريقة تتجنب العنف، ولكن عندما واجهتنا الحكومة بالقوة وقتها فقط قررنا أن نرد العنف بالعنف. ولكن العنف الذي اخترنا اللجوء إليه لم يكن ارهابا .
المؤتمر الوطني الأفريقي أنشأ عام ١٩١٢ للمدافعة عن حقوق الأفارقة. انتهج
صراعا دستوريا قانونيا لمدة
٣٧ عاما حتي عام ١٩٤٩. بعد ذلك كان معارضته سلمية أيضا ولكنها كانت
تتحدي قوانين التمييز العنصري وخرجت من إطار
وسائل الإحتجاج الدستوري
القانوني.
المواطنون الأفارقة لم يكونوا جزءا من الحكومة ولم يشرعوا القوانين التي يحكمون بها. نحن
نؤمن بما جاء في الاعلان
العالمي لحقوق الإنسان
بأن "إرادة الشعب
هي أساس سلطة
الحكومة".
ولكن الحقيقة المؤلمة أن 50 عاما من
المقاومة السلمية أسفرت
عن المزيد من
القوانين القمعية وانتقاص
حقوق الأفارقة. ربما يكون من
الصعب على المحكمة
أن تتفهم، ولكن الحقيقة أن الناس بدأت منذ وقت طويل الكلام عن العنف؛ عن اليوم الذي سيقاتلون فيه البيض ويرجعوا بلدهم إليهم، ونحن (قادة المؤتمر الوطني
الأفريقي) كنا دوما نقنعهم بتجنب العنف وانتهاج الوسائل السلمية. ولما ناقشنا ذلك في مايو ويونيو 1961،
كان واضحا أن سياستنا السلمية لم تحقق شيئا، وأن أتباعنا بدأوا يفقدون الثقة في تلك السياسة وأنهم بصدد الإتجاه لأفكار إرهابية مقلقة.
لا يمكن أن ننسى أنه بحلول ذلك الوقت أصبح العنف سمة من سمات المشهد السياسي الجنوب أفريقي.
كل اضطراب يحدث كان يشير بوضوح لإيمان الأفارقة بأن العنف هو الحل الوحيد، فالحكومة التي تستخدم القوة للحفاظ على حكمها تعلم المظلومين استخدام القوة لمعارضتها. بالفعل وبشكل تلقائي ظهرت مجموعات صغيرة تخطط لأشكال عنيفة من الصراع السياسي. الخطورة أنه من
الممكن أن تمارس تلك
المجموعات الإرهاب على
الأفارقة والبيض على
حد سواء لو
لم يتم توجيهها
توجيها صحيحا.
في منتصف عام 1961 وصلنا للآتي وهو بما أن العنف أصبح حتميا في هذه البلد،
فإنه من الخطأ وعدم الواقعية أن نكمل كقادة تبني السلمية والوعظ بها في الوقت الذي
تقابل فيه الحكومة مطالبنا السلمية بالقوة. هذه النتيجة لم يكن من السهل الوصول إليها.
وصلنا اليها عندما انعدم البديل وأغلقت في وجهنا أبواب الاحتجاج السلمي فإتجهنا لأشكال عنيفة من الصراع السياسي. لم
نرغب في سلك
ذلك المسار غير أن الحكومة
لم تترك لنا بديلا
آخر. كان علينا الاختيار
بين الاستسلام أو
القتال. جاء الوقت لكي لا
نستسلم وأن نقاتل
بكل الطرق دفاعا
عن شعبنا ومستقبلنا
وحريتنا.
استعد المؤتمر الوطني الأفريقي أن
يرحل عن سياسته
السلمية البالغة من
العمر 50 عاما ليتبني سياسة تنتهج عنفا تحت السيطرة.
أقول "عنف تحت السيطرة"
أي أنه تحت مظلة
التوجيه السياسي للمؤتمر
الوطني الأفريقي ولن يأخذ
أشكال أخرى عن تلك التي
وافق عليها المؤتمر.
والآن أشرح للمحكمة كيف
تم تحديد شكل
العنف.
تفادي الحرب الأهلية
كان يسيطر على تفكيرنا
طوال سنوات عديدة،
ولكن عندما قررنا تبني
العنف كجزء من
سياستنا، أدركنا أنه من
الممكن في يوم
من الأيام أن
نواجه تلك الحرب. كان
يجب أن يؤخذ
ذلك في الإعتبار
عند صياغة خططنا. نريد
خطة مرنة تسمح
لنا بالتصرف وفقا
لإحتياجات كل وقت، وفوق
ذلك أن تكون
الحرب الأهلية فيها
هي الملجأ الأخير
وأن يترك هذا
القرار للمستقبل. لا نريد حرب أهلية، ولكن نريد أن نكون مستعدين إذا كانت حتمية. هناك أربعة أشكال واردة للعنف. هناك الأعمال التخريبية، حرب العصابات، الإرهاب، ثورة مفتوحة. قررنا اختيار الطريقة الأولى(الأعمال التخريبية) واستنزافها قبل أخذ أي قرارات أخرى. في ضوء خلفياتنا السياسية الإختيار كان منطقيا. التخريب لا يتضمن خسارة في الأرواح ومرارته أقل كما أنه يحفظ الأمل في علاقات عرقية جيدة وحكومة ديمقراطية في المستقبل. هذا
ما شعرنا به وقتها وهذا
ما قلناه في بيان
لنا "نسعى دائما
للتحرير بدون نزيف
للدماء أو اصطدام
أهلي .نتمنى، حتى في
هذا الوقت المتأخر،
أن تحرك أعمالنا الأولية تلك
الكل لإدراك الموقف
المأساوي الذي تأخذنا
تجاهه سياسة الحكومة.
نتمنى أن نرجع الحكومة
ومؤيديها إلى صوابهم
وأن نغير الحكومة
وسياساتها قبل فوات
الأوان والوصول لحالة الحرب الأهلية
البائسة". الخطة الأولية كانت مبنية على تحليل دقيق للموقف السياسي والاقتصادي لبلادنا. نحن نؤمن بأن جنوب أفريقيا تعتمد إلى حد كبير على الاستثمار الأجنبي والتجارة الخارجية. شعرنا بأن التدمير المخطط لمصانع الطاقة وقطع خطوط السكة الحديد والتليفونات سيخيف رؤوس الأموال وسيجعلها تترك البلاد وسيؤدي ذلك إلى زيادة الحمل والخسائر ونزيف اقتصاد الدولة على المدى البعيد، مما سيفرض على الناخبين اعادة النظر في الوضع القائم. هذا سيتم مع الهجوم على وتخريب مباني الحكومة ومقرات ترمز إلى نظام الفصل العنصري. هذه الهجمات ستعد
مصدر إلهام لشعبنا،
كما أنها ستنفس عن الذين يطالبون
بالعنف وستجعلنا نثبت لأتباعنا
أننا قد تبنينا
خط أقوى في
الدفاع عن حقوقنا
أمام عنف الحكومة.
إضافة على ذلك، أنه لو نجحنا
في تنظيم أنفسنا
بأعداد كبيرة سنحظي بـتعاطف
وتأييد من البلاد الأخرى
لقضيتنا وهذا بدوره قادر
على تشكيل ضغط
أكبر على حكومة
جنوب أفريقيا. كانت
هذه هي الخطة إذا.
نقوم بالتخريب، وأعطينا تعليمات صارمة للأعضاء بعدم قتل أو التعرض للناس بأي أذى أثناء القيام بتلك العمليات كما منعنا تسليح أحد منهم. العملية الأولى
تمت يوم 16 ديسمبر1961.
ردود فعل البيض كانت عنيفة وتعالت تهديدات الحكومة، أما ردود فعل الأفارقة فكانت
مليئة بالحماس واستعادة الأمل. البيض والسود ينفصلان إلى معسكرين، واحتمالات تجنب الحرب
الأهلية تقل. نشرت صحف البيض تقارير عن أن أعمال التخريب ستواجه بعقوبة الموت. لو كان
هذا صحيحا، كيف يمكن لنا أن نبقي الأفارقة بعيدا عن الإتجاه للإرهاب؟ سننتصر
حتما على المدى
البعيد، ولكن ما الثمن
الذي سندفعه نحن
وبقية الوطن؟ ولو حدث
هذا، كيف يمكن للسود
والبيض بالتعايش مرة
أخرى في سلام
وتجانس؟ كانت هذه هي
المشاكل التي تواجهنا وكانت هذه
هي قراراتنا. تربة جنوب أفريقيا
مشبعة بدم الأبرياء
الأفارقة ونشعر أنه
من واجبنا الإستعداد
(كتعهد على المدى البعيد) لاستخدام
القوة للدفاع عن أنفسنا
وصد قوة الحكومة.
لو كانت الحرب حتمية،
نريدها أن تكون
وفقا لشروط تصب
في صالحنا. القتال الذي
يحمل احتمالات أفضل لنا
وأقل خطرا على
حياة الجانبين هو
حرب العصابات. قررنا
في تجهيزاتنا للمستقبل
أن نستعد لإمكانية اللجوء لحرب العصابات.
تهديد عقوبة الموت للأعمال
التخريبية أصبح حقيقة
وواقع. زملائي كانوا حذرين وكانوا يرون أن مازال هناك وقت طويل لاستنزاف خيار التخريب قبل المضي قدما في غيره. في الواقع، بعضهم كان
يرى أيضا أن
تدريب المجندين لحرب العصابات
لم يكن كافيا
بعد. بعد نقاش، قررنا أن
نمضي في خطط
التدريب العسكري لأنه
سوف يحتاج سنوات
عديدة لبناء نواة مدربة
وكافية من الجنود لبدء
حرب العصابات، ومهما حدث
سيكون التدريب مفيد.
كنت أعتز بمثال لمجتمع ديمقراطي حر يعيش فيه الجميع في تناغم ويحصلون على فرص
متساوية. إنه نموذج آمل أن أعيش من أجله وأن أراه يتحقق. إنه نموذج مستعد لأن أموت
من أجله لو اقتضى الأمر.
انتهى الاقتباس من
مرافعة مانديلا.
الثورة والعنف
التغيير في مصر أؤمن
أنه قادم عن
طريق العمل على الأرض والالتحام مع الناس وبناء قواعد جماهيرية
من أسفل مؤمنة بالثورة ومرتبطة
بعملية الإنتاج كالعمال والفلاحين مدعومة
بالطلبة وما تبقى من
الطبقة المتوسطة، مع بناء
كوادر تنظيمية قادرة
على ربط هذه
الحركة الشعبية الواسعة
بخطاب سياسي ورؤية
سياسية ناضجة وواضحة في
إطار ديمقراطي حقيقي تحت
غطاء الثورة وأهدافها.
العنف الثوري في
رأيي هو نتيجة قبل
أن يكون استراتيجية، وتطويعه وفقا لرؤية أو
خطة ما لابد أن يكون
مستندا إلى كونه
رد فعل غاضب على ممارسات
سلطة وجب الخروج عليها. عنف
طفح الكيل الناتج
عن القتل والتعذيب والظلم والافقار والاجهال
والذل والإستبداد لا يصح أن
يلام خارج إطار
مسبباته، كما
أن احتكار سفاحين
السلطة للعنف لا يمكن
قبوله بحال لأن الناس أصبحت
لا تقبل الدولة بل
لا تعترف بوجودها
في كثير من
الأحيان وتمقت من
يديرها ولا تقبل خطابها
ولا تسمح بأي
هيمنة فكرية منها.
هايل.
ReplyDelete