اصطدم قطار أسيوط في قرية المندرة بمنفلوط بأتوبيس معهد نور الهدي الأزهري الخاص بقرية بني عديات صباح يوم السبت الموافق ١٧ نوفمبر، وأودي بحياة أكثر من خمسين طفلا و بلغ عدد المصابين ١٦ مصابا في حادث مأساوي يدمي له القلب ويتحمل مسئوليته مباشرةً رئيس الجمهورية محمد مرسي الذي هو رأس السلطة التنفيذية في هذه الدولة ثم رئيس الوزراء هشام قنديل و وزير النقل المستقيل بعد الحادث محمد رشاد المتيني و رئيس هيئة السكة الحديد المستقيل أيضا بعد الحادث مصطفي قناوي و نائب رئيس هيئة سكك حديد مصر للمنطقة الوسطي بأسيوط محمد أحمد مهران و ملاحظ البلوك وعامل المزلقان سيد عبده رضوان ومدير المعهد الأزهري مالك الأتوبيس الذي كان ينقل ضحايا الحادث والذي حمل ٦٧ طفلا بينما الحمولة المرخص بها ٢٩ راكبا فقط ، ثم مطالب باثبات مدي تورط يوسف بشري يونان سائق القطار ومساعده سيد عبدالفتاح أحمد في الحادث عبر تحقيقات وأدلة جادة والتي علي رئيس مباحث النقل والمواصلات بأسيوط و رئيس نيابة شمال أسيوط أسامة عبدالجواد الجد والاجتهاد والاخلاص في الكشف عنها وإلا انتقلا إلي خانة المتهمين في هذه الحادثة المفجعة الأليمة.
يحزنني ويحز في نفسي تبريرات هواة التبرير وقردة السلطة وأتباعها، كما أنه يحز في نفسي أن أجد أنه من الضروري ايضاح بعض الأشياء التي أراها بديهية مثل أن أكبر رأس في السلطة التنفيذية مسئول مسئولية سياسية مباشرة عن هذه الجريمة في حق أطفالنا وفلذات أكبادنا، هذه بديهيات يا سادة. في الدول المحترمة تسقط حكومات ويستقيل رؤساء جمهوريات لأسباب أهون من ذلك بعشرات المرات ولا أبالغ في ذلك؛ فالرئيس الألماني استقال عندما ترددت شبهة أنه حصل علي تسهيلات في الفائدة علي قرض من بنك ألماني وكان التخفيض في الفائدة نسبته ٢٪ أو ما قارب علي ما أذكر. تخيل معي عزيزي القارئ أن سيدنا عمر رضي الله عنه (المثال الأعظم لفترات الحكم الاسلامي الذي يدعي من في السلطة أنه بصدد قيامه) كان في سدة الحكم وحدثت كارثة مثل هذه، ماذا كان سيفعل؟ هل كان سيتنكر ولن يعلن مسئوليته حتي عن الحادث؟ أم أنه كان سيكتفي بجملتين ثلاثة مثلما فعل رئيسنا الموقر؟ بل كان سيعلن تحمله المسئولية الكاملة بشجاعة وربما كان ليقدم نفسه للمسائلة والمحاكمة. ثم أنه متي تسقط الحكومة إن لم تسقط لمثل هذه الكوارث الانسانية الضخمة؟ متي تسقط الحكومة يا سادة؟ ما الذي يسقط رئيس الوزراء بحكومته؟ ماذا إذا؟ دماء المصريين غالية وإن حاول من في السلطة تجاهلها والتهوين منها وترخيصها، لن نقبل بأقل من اقالة الحكومة ومحاسبة الجميع في سلم السلطة والمسئولية من أول رئيس الجمهورية نزولا إلي عامل المزلقان أشد محاسبة.
رئيس جمهوريتنا الموقر وقف داخل مجلس الشعب عام ٢٠٠٥ وعقب حادثة قطار الصعيد المفجعة آنذاك ليتهم رئيس مجلس الوزراء وجر الاتهامات تباعا لبقية هرم السلطة في استجواب مشهور له بالمجلس، كما اتهم الكبار في هيئة السكك الحديدية السابقين والحاليين وطالب بمحاسبتهم جميعا علي أخطائهم وتقصيرهم وقال إنه ليس علي الحساب كبير. هذا ليس كلامي بل كلام محمد مرسي رئيس الجمهورية الذي لن ينفذ (أقولها لكم والأيام ستثبت ذلك) ما طالب به حينما كان عضوا بالبرلمان والدليل أن رئيس الوزراء المطيع المسالم هشام قنديل مازال يقوم بمهامه حتي الآن ولم ولن يقدم للمحاسبة. المنافقون والآفاقون هم الذين يقولون أشيائا وهم خارج السلطة ثم يصلوا للسلطة فتجدهم صم بكم عمي، هذا هو الحال مع السيد الرئيس الذي لم يفاجئنا بذلك فهو الذي قال قبيل الثورة بعدة أشهر وكان مسئول لجنة انتخابات مجلس الشعب عام ٢٠١٠ بالاخوان أنهم رفضوا الدفع بمرشحين أمام زكريا عزمي ويوسف بطرس غالي وأبوالنجا احتراما لهم كرموز للوطن. النفاق ليس جديدا علي الرئيس مرسي.
من المفارقات التي استوقفتني أيضا أن ذات نفس الرئيس محمد مرسي الذي ذهب منذ أسابيع قليلة ليصلي صلاة الجمعة في أسيوط وسط حراسة مكثفة من الأمن المركزي مقدرة بحوالي ١٢ ألف عسكري غير أفراد الحرس الجمهوري والعربات والموتوسيكلات وغيرها من المراسم الاستفزازية (مخلفا وعده الذي قاله قبيل الانتخابات في حوار تليفزيوني بأنه سيصلي وسط الناس بالجلابية بدون حراسة) ،هو الذي لم يكلف نفسه ويذهب ليعزي أهالي أسيوط ويتابع سير التحقيقات بنفسه بل والأكثر من ذلك أنه لم يهتم بالاتصال بمحافظ أسيوط كي يتابع سير الأحداث والتطورات بنفسه علي حد قول المحافظ.
ثم خرج علينا السيد مرسي ليلقي خطابا استفزازيا مدته حوالي دقيقتين يعزي فيه أسر الضحايا بالنيابة عن الشعب المصري، ثم يقرر تعويض أسر الضحايا والمصابين، ويعد بمحاسبة المسئولين، وشكرا. أسئلة عديدة تظهر في الأفق عند سماع هذا الخطاب؛ لماذا لم يعترف مرسي ويعلن تحمله المسئولية الكاملة عن ما حدث؟ لماذا يعزي بالنيابة عنّا وهو متهم أصلا؟ لماذا ذكر تعويض الأهالي ماديا قبل أن يذكر جلب حقهم بمحاكمات سريعة عاجلة للمتهمين؟ لماذا لم يحدد المسئولين الذين سيحاسبوا وتركها كلمة عريضة توحي ب"الطرمخة" علي المسئولين الحقيقيين؟ لماذا لم يقيل الحكومة ويعلن تقديم رئيسها ووزير النقل فيها للمحاكمة؟ لماذا لم يعلن تقديم كبار المسئولين في السكة الحديد للمحاسبة؟ هذا الخطاب أزاد الطين بلة.
أما رئيس الوزراء فلم يشعر بحرج كافي يجعله يستقيل، ربما يكون عدد الضحايا من الأطفال الأبرياء غير كافي بالنسبة له، ربما يحتاج لعددا أكبر ليشعر بالحرج، وربما يكون هو من النوع الذي لا يشعر بالحرج أصلا، أو بالبلدي كده معندوش دم. هشام قنديل لم يفعل أكثر من رئيسه فالطيور علي أشكالها تقع؛ فقد وجه بإحالة "المسئولين" للتحقيق وترك الكلمة علي عوامها أيضا، كما وجه العزاء لأسر الضحايا معربا عن مشاطرة الحكومة المصرية أهالي أسيوط في هذا المصاب الأليم، وشكرا.
أما المتيني وزير النقل المستقيل فقد قال في التحقيقات أن المزلقان كان مغلقا وأن سائق الأتوبيس حاول المرور مسرعا علي الرغم من اطلاق جرس الانذار أمام المزلقان (هذا بعدما قال أنه ليس لديه أي معلومات عما وقع في الحادث لأنه تقدم باستقالته بعد دقائق من التصادم) وهي رواية مضحكة لا تقترب للمنطق من بعيد أو قريب لأن المزلقانات عندما تغلق فهي تغلق بجنزير حديد (وأنا أعرف جيدا ما أقول فقد واظبت علي ركوب قطار الصعيد لمدة عامين متصلين) ويصعب جدا كسرها إلا علي سرعة عالية وهذا شبه مستحيل لأن الشوارع المؤدية للمزلقانات تكون صغيرة ويصعب السير فيها بهذه السرعة، كما أنه كيف للسائق أن يحاول المرور مسرعا علي الرغم من اطلاق جرس الانذار والمزلقان مغلق؟! هذا استخفاف بعقولنا. كما أنه كذب رواية الوزير المستقيل شهود عيان أكدوا أن عامل المزلقان لم يغلق الطريق.
هذا الوزير هو الذي وقف ضد اضراب عمال المترو ووصفه بغير المشروع وقال صراحةً أنه رضخ لمطالبهم باقالة رئيس الشركة المصرية لمترو الأنفاق لتسيير مرفق المترو الضخم فقط ليس إلا، رغم أن العمال لم يحصلوا علي نسبتهم من الأرباح السنوية ورغم أن الأموال المخصصة للصيانة لا تصرف عليها ولا أحد يعرف أين تذهب وأغلب ماكينات التذاكر لا تعمل بسبب ذلك، وغير ذلك من فساد متعلق برئيس الشركة علي حسين. بل وذهب لأبعد من ذلك حين قال أنهم يعكفون علي وضع خطة لمواجهة الشرطة للاضرابات من خلال القبض علي المحرضين علي الاضراب قبل تنفيذه واحالتهم للنيابة العامة.
كما أن هذا هو الوزير الذي تجاهل مظاهرات عمال السكة الحديد منذ حوالي شهر ونصف والتي حذرت من كوارث قادمة متعلقة بالسكة الحديد. الأكثر فجاجة من ذلك كله ما سأقوله الآن، فقد فجرت جريدة المصري اليوم مفاجأة من العيار الثقيل حين نشرت ثلاث مذكرات بتاريخ ١١ سبتمبر ٢٠١٢ أي منذ أكثر من شهرين، والتي أرسلها سيد عبده رضوان (خفير المزلقان المتورط في الحادث) واثنان من زملائه هم: رفعت عدلي مهني، وعبدالرحمن أحمد محمد إلي وزير النقل ورئيس الهيئة القومية للسكك الحديدية ومدير المنطقة الوسطي بأسيوط، تحذر من وقوع حوادث مروعة وطالبوا بسرعة ربط المزلقانات الهندسية بالبلوك أو توفير وسيلة تسجيل لتحديد المكالمات، وقالت المذكرات ما يلي:
"السادة المسؤولين نحيط علم سيادتكم بأن مزلقان المندرة، التابع لمركز منفلوط بمحافظة أسيوط، الذى نقوم بحراسته غير مرتبط بالسيمافورات، ووسيلة الأمان الموجودة هى التليفون فقط، وكثيراً ما نفاجأ بقدوم القطارات دون إخطارنا من ملاحظ البلوك، ولا توجد وسيلة لتحديد ذلك، سوى ما يثبته ملاحظ البلوك نفسه، على كشف قيد القطارات، وهذا يعرض مستقبلنا وأرواحنا للخطر، ونحذر من وقوع الكارثة باصطدام قطار بإحدى السيارات المارة فى المزلقان، لأن الخسائر ستكون فادحة ما بين أرواح وجرارات وقضبان وفلانكات، لذلك الرجاء التنبيه باللازم نحو ربط جميع المزلقانات بالبلوكات، أو توفير وسيلة تسجيل لتحديد المكالمات، وهل تم إخطارنا بإغلاق المزلقان بقدوم القطارات من عدمه، أو جرس لتنبيه السيارات بقدوم القطارات، مع العلم أن الهيئة تقوم بتطوير المرحلة الأولى للمزلقانات ولم يتم تطوير مزلقان واحد من الهندسة بقسم أسيوط، مع العلم أنها الأولى لأنها غير مرتبطة بالبلوك"
لابد من التحقيق في أسباب عدم تلبية مطالب الخفراء، كما أنه لا مفر من معاقبة الوزير وكبار المسئولين في السكة الحديد أشد معاقبة، فهذا كلام خطير لا يصح ولا يستقيم التغاضي عنه. أما النيابة الموقرة فقد أخلت سبيل كل المتهمين لحين اشعار آخر ماعدا عامل المزلقان وعامل البلوك اللذان أمرت بحبسهما، وهنا أتذكر الحديث الشريف: "إنما أهلك الذين قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد".
وعلي هامش الحادث لفت نظري خبرين أراهما غريبين إلي حد كبير. الأول أن إدارة المعهد الأزهري رفعت تقريرا عاجلا بأسماء الضحايا والمصابين إلي شيخ الأزهر لتغيير اسم المعهد إلي معهد الشهداء، ولم أقرأ أو أسمع سعيا من المعهد لجلب حقوق ضحاياه من الأطفال الأبرياء، فهل نترك المضمون ونلتفت للمسميات والشكليات؟ كان من الممكن تقبل هذا الطلب لو جاء متأخرا علي السعي وراء النيل من مجرمي هذا الحادث. الثاني هو أن محافظة أسيوط تأخرت في تقديم تقريرها عن ملابسات الحادث للجنة ادارة الأزمات برئاسة الوزراء، والغريب أنه عندنا لجنة لادارة الأزمات برئاسة الوزراء والحقيقة أنا لا أعرف ماذا تفعل تلك اللجنة، حقيقةً لا أعرف. مضحكات مبكيات.
حدثت الحادثة وتجمعت أهالي الضحايا عند مستشفي أسيوط الجامعي ليتلقوا جثث ذويهم أو يزوروا مصابيهم وبدلا من مواساتهم والتخفيف من آلامهم، وجدوا كلاب الأمن المركزي تنهش في جتتهم وتبرحهم ضربا في مشهد أبعد ما يكون عن الانسانية أو الآدمية، ليذكرنا هذا المشهد بكلاب مبارك عندما ضربوا أهالي ضحايا العبارة أيضا، ويعطينا انطباعا عميقا بأن التاريخ يعيد نفسه وأن النظام بعقليته وطرقه وهمجيته لم يسقط بعد.
أما داخل مستشفي أسيوط الجامعي، فقد كان يعاني المصابون من نقص في حقن بيكربونات الصوديوم الهامة لمرضي العناية المركزة، والجدير بالذكر أن الأطباء يشتكون من نقص هذه الحقن منذ فترة ووزارة الصحة ودن من طين والآخري من عجين، في جريمة آخري ترتكبها الدولة ونظام الحكم والحكومة.
بقي لنا أن نفسر كيفية تعامل الدولة عن طريق اعلامها الرسمي ووزير اعلامها مع الحادث. التليفزيون الرسمي كان يعرض الأفلام والأغاني في الوقت الذي أعلنت فيه عدة قنوات فضائية خاصة الحداد وأعلنت عزائها لأهالي الضحايا. أما وزير الاعلام (الاخواني تنظيما بالمناسبة) فحدث ولا حرج، فقد خرج يتكلم متأخرا ويا ليته ما خرج من الأساس، فقد قال في مداخلة تليفونية في احدي القنوات التليفزيونية أنه يكفي رئيس الوزراء أنه انتقل مع مجموعة من الوزراء علي الفور إلي مكان الحادث و واسي الحزاني ويكفي أن رئيس الدولة بنفسه أعلن الحداد و واسي المصابين، هذا هو وزير اعلام النظام الحاكم الذي كل مفهومه عن تحمل المسئولية هو المواساة وتقديم واجب العزاء مثل باقي أفراد الشعب. لم تأتوا في سدة الحكم لتواسونا بعد ما تقتلونا ثم تتباهوا بهذه المواساة، قليلا من الحياء احتراما للدماء، لعنكم الله.
هكذا كان تعامل النظام والحكومة مع هذا الحادث الأليم. رئيس جمهورية، رئيس وزراء، وزير نقل، وزير داخلية، وزير صحة، وزير اعلام؛ كلهم فشلة وغير قادرين ولا جديرين بتحمل مسئولياتهم أمام الشعب، كلهم يجرون قطار الدولة إلي طريق الفشل.
دماء أطفالنا في رقابكم يا من تواسوننا، لا نطيق مواساتكم ولا نبغي غير محاكمتكم وخلعكم من فوق كراسي تقتلون منها شعبكم باهمالكم تارة وبتوافقكم مع القتلة تارة وبتغاضيكم عن الفاسدين المفسدين تارة و بغض الطرف عن مقاصد وأهداف ومطالب الثورة في كل التارات. الثورة قادمة لتطيح بالذين خانوها ونكسوها فلا تأمنوا غضبة الشعب التي لا تبقي ولا تذر.

No comments:
Post a Comment