Friday, 5 October 2012

حتمية القصاص واسقاط النظام


         

            استشهد من استشهد ويتم من يتم ورملت من رملت وفقدت الأم من فقدت من أبنائها وفلذات أكبادها وفقد خيرة شباب البلاد أعينهم وسحلوا وأصيبوا بطلقات الرصاص الحي والخرطوش والمطاطي وعرت أشرف وأطهر البنات، ولم يأخذ هؤلاء جميعا حقوقهم من الجناة والمجرمين من أفراد الجيش والشرطة وقياداتهم ومأجوريهم الذين أطلقوهم علي الشعب المنتفض والشباب النقي المطالب بالحق والعدل والحرية ليس إلا. 

            وقفنا جميعا في الميادين في وجه نظام مستبد كرهناه وسخطناه من قبل الثورة بسنين عدة، وسقط منا الكثير من الشهداء الأبطال وأصيب وأهين منا عددا آخر ليس بقليل، ثم اصطدمنا بمؤسسات الدولة الفاسدة التي تواطئت مع الجاني ولعنت الضحية عندما كانت مطالبة بأن تأخذ حقوقنا وتعاقب المجرمين، ولكن أي مؤسسات للدولة التي ننتظر منها ذلك؟ مؤسسات نظام مبارك التي مازالت تسيطر علي مفاصل الدولة حتي الآن بصورة أو بآخري؟ مؤسسات الفساد والإفساد؟ مؤسسات النهب والافقار؟ مؤسسات القمع والسلطوية؟ مؤسسات الظلم والقهر؟ 

          تواطأ الاعلام والقضاء والنيابة والشرطة والجيش ووقفوا جميعا ضد الثورة والثوار، ومن رحم ربه منهم ووقف معنا نكل به واضطهد ولفظ وخير مثال علي ذلك هم ضباط ٨ ابريل الذين سجنوا وعذبوا وأهينوا.

          قتلت شرطة مبارك المصريين في الشوارع والميادين ثم تستروا وراء نيابة متواطئة ونائب عام أليف متهاون ثم قضاء جليل يأخذ أوامره بالتليفون فيصدر أحكام البراءة تباعا، وقتلت شرطة وجيش المجلس العسكري المواطنين بشكل أشرس خلال العام والنصف المنقضيين ولم نري أحدا منهم يحاكم أو يقتص منه بل العكس ما رأيناه؛ فقد ازدادت الترقيات والمرتبات لأفراد الجيش والشرطة بمن فيهم المتورطين في جرائم قتل عمد واضحة وصريحة ضد المصريين.

           ثم توج الاعلام مؤامرة التستر علي الجرائم المتعاقبة ومحاولة انكارها والتهوين منها بل والقاء اللوم علي الطرف الواقع عليه هذه الجرائم في تبجح ودنو فجين مقززين. الجرائد الحكومية كالأهرام والأخبار والجمهورية، التليفزيون المصري، القنوات الاعلامية الخاصة التي تشتهر بكونها فلول، كل هذه الوسائل الاعلامية وغيرها كانت ولازالت تتسم بقدر كبير من اللا أخلاق واللا ضمير واللا نخوة واللا إحساس واللا مهنية والنفاق والتدليس والتضليل والكذب، ولذا ظهر هتاف الثورة الشهير "الشعب يريد تطهير الاعلام". 

          المؤسسات الفاسدة المتواطئة المنتمية للعهد البائد لا تلزمنا بل وجب علينا هدمها وتصفيتها، نعم نطالب بهدم هذه المؤسسات إن كانت مؤسسات من الأساس بالمعني المفهوم للكلمة.

         نعم نطالب بهدم جهاز الشرطة الذي يتستر علي ضباطه القتلة ويكافئهم، الذي يعذب ويهين المصريين حتي لحظة كتابة هذه السطور، الذي يتعامل مع الناس بفوقية وتعالي شديدين، الذي لا يعرف إلا القوة والقمع، الذي يفتقد المهنية والأخلاق، الذي يدرس ضباطه القانون ليخالفوه فيتغاضي عن معاقبتهم وردعهم بل ويشجعهم علي ذلك. ما الحاجة لنا إذا في الحفاظ علي هذه المؤسسة المعيبة؟ هل الأمن الذي أهملوه خلال العام ونصف السابقين لمعاقبة الشعب علي القيام بثورته؟ أم البلطجية الذين يعملون معهم واستخدموهم في ترويع المواطنين وزرع القلاقل لأغراض سياسية خبيثة تدفع الناس لكره الثورة ومن قام بها؟ هل من فعل ذلك يكون قادر بنفس تكوينه السابق أن يقوم بدوره ويعيد الأمن بلا قمع أو ظلم لأحد من أفراد الشعب؟

          ثم هل يكون النائب العام الذي يتستر علي الأدلة ولا يقوم بدوره (منذ أيام مبارك) الذي ينوب فيه عن الشعب في تحريك القضايا وخلافه قادرا علي تولي هذه المهمة الآن؟ هل يكون نفس الشخص؟ بأي منطق وأي عقل؟ النيابة تسترت وتخاذلت في جمع وتقديم الأدلة الموجودة والموثقة علي جرائم قتل وسرقة الشعب المصري. لابد من معاقبة ومحاسبة النيابة علي هذا التقصير والتواطؤ. نعم نطالب باسقاط النائب العام. 

         ونعم نطالب باسقاط القضاء المصري، ونعم نطالب باسقاط هيبة القضاء، ونعم نعلق علي الأحكام المعيبة المتخاذلة المتواطئة مثلما يحدث في كل بلاد العالم المتحضر الذي لا يصنع من القضاة أصناما يبجلونها ويوقرونها ويتجنبون انتقادها. القضاء المصري فاسد وغير مستقل ومخترق من أجهزة الدولة التنفيذية، وقد اتضح ذلك في القضية المشهورة بالتمويل الأجنبي وتعاطف معظم القضاة مع القاضي عبدالمعز ابراهيم الذي يعد عارا علي مهنة القضاء مثله مثل من أيده وسانده من القضاة، كما تبين اختراق القضاء بوضوح بعد البراءات المتتالية المتعاقبة لقتلة المتظاهرين في أنحاء الجمهورية كافة. كما أن أي محامي صغير أو مشتغل بالقضاء أو بالأعمال المتعلقة به يعلم جيدا أن أغلبية القضاة غير منزهين عن الرشوة والفساد المالي أو الاداري أو الأخلاقي وأنهم موالون للسلطة التنفيذية بشكل أو بآخر. أما هرطقات "القضاء المصري المستقل والنزيه"، "إلا القضاء المصري"، "لا تدخل في أعمال القضاء"، فكلها مجرد فرقعات تضلل الرأي العام وتحاول "تزغيطه" الأكاذيب كي يبتلعها ويصدقها.

        ونفس الهرطقات تنطبق علي الجيش المصري الذي اعتقل وعذب وأهان وسحل أفراده المصريين، كيف يكون هذا الجيش عظيما؟ كيف يكون الجيش الذي يفعل ضباطه وجنوده هذه الأشياء جيشا مهيبا محترما؟ الجيش المحترم لا يخرج منه فردا يتبول علي المصريين أو آخرا يشير لهم اشارات خارجة بأصابعه أو آخرا يركل سيدة عجوز بقدميه أو آخرا يسب المتظاهرين ويسحلهم ويعذبهم في السجون بل ويقتلهم، وإذا تهاونّا وافترضنا جدلا وقوع هذه الأشياء من جيش محترم فوجبت محاسبة تلك الأفراد محاسبة عسيرة وابعادهم عن الخدمة لا ترقيتهم وزيادة مرتباتهم وحمايتهم وابعادهم عن المحاكمة. الجيش طاله ما طال مؤسسات الدولة جميعا؛ قيادات فاسدة ومرءوسين يطيعوا الأوامر ويحتقروا الشعب وحسب. 

         دماء الشهداء في رقبة الجيش والشرطة والقضاء والنيابة والاعلام، لن نتسامح في حقنا في الحصول علي القصاص العادل، لن يضيع دم إخواننا وأخواتنا هدر، لن نسمح للقتلة والمتواطئين أن يجلسوا فوق الكراسي في المكاتب المكيفة يديرون شئون البلاد والعباد وصدورنا تمتلأ بنار الثأر والغضب. القصاص ليس رفاهية فكرية أو مبدأ تنظيري، القصاص هو احتياج لنا جميعا كي نبني بلادنا علي أساس من العدل والسلام النفسي والمصالحة وانهاء الاستقطاب.

        لا أخفيكم سرا أني وكثيرون مثلي لا نستطيع التصالح مع المجتمع بمفهومه الواسع، لا نستطيع التصالح مع ضابط الشرطة ولا القاضي ولا وكيل النيابة ولا ضابط الجيش ولا الصحفي في الجريدة الحكومية ولا مذيع التليفزيون المصري، كما لا نستطيع التصالح مع الجرائد الحكومية والتليفزيون المصري وسيارات الشرطة وعربات الجيش وشكل المحاكم والأقسام. فهل تقوم دولة وبها هذا الكم من الضغينة ونار الثأر في قلوب وعقول عدد ليس بقليل من أفراد شعبها تجاه مؤسساتها وأجهزتها؟ هل تقوم دولة علي أنقاض نفسية شعبها؟ تبا لها دولة إن قامت غير أنها لن تقوم. 

        يحاول الرئيس مرسي (وهو من المتواطئين مع القتلة هو وجماعته ومن الذين لعنوا الضحية هو وجماعته أيضا من قبل) أن يتصالح مع مؤسسات الدولة الفاسدة ظنا منه أنه بذلك يكسب أرضية وولاء أجهزة الدولة البيروقراطية وخرج الشعب من المعادلة مثلما يفعل كل الحكام الطغاة والظلمة. فقد تغاضي مرسي عن القصاص والمحاسبة ومال نحو التصالح مع المجرمين والقتلة والسارقين مثلما سلكت جماعته نفس المسلك من خلال تصريحات كبار قياداتها خلال العام ونصف المنقضيين. هذه النزعة التصالحية التي "تفط" من خطابات مرسي وتظهر في تجاهله لملف القصاص خلال ال ٣ أشهر التي قضاها في الرئاسة ليست غريبة عليه فهو من جماعة اعتادت علي ذلك ولم تتعلم من عواقبه. 

         الشعب المصري الذي انتفض وثار علي نظام مبارك لن يقبل بتصالح الاخوان مع أجهزة نظامه ودوائرها وبقائها كما كانت. الشعب طالب باسقاط النظام وليس التصالح مع النظام، فإن لم يتم تطهير القضاء والشرطة والجيش والنيابة والاعلام وغيرها من مؤسسات الدولة الفاسدة فسيسقطها الشعب علي رءوس من هم في سدة الحكم لكي نبني دولتنا علي أسس جديدة لم تعرفها مؤسساتها من قبل. 

        الشعب يريد اسقاط النظام. 

No comments:

Post a Comment