Wednesday, 15 May 2013

المقطم بعيون سورية

"الدم كله حرام، ما يحدث الآن عبثي وفوضوي ولا علاقة له بالثورة، تلك بلطجة، "المصري" لا يتعدي علي "مصري"، الرد علي العنف لا يكون بالعنف، لا يصح أن نفعل مثلهم، أين مبادئنا". 

البعض يحب الرؤية التليسكوبية فتجده يدقق في كل موقف علي حدة نازعا إياه من سياقه ودوافعه وينطلق في قذف الديباجات الفارغة والتحليلات الهاوية مثل أن العنف لا علاقة له بالثورة وكأن الثورات تقوم في عالمه الموازي الملئ بالرومانسية أو أن ٢٨ يناير كان مع غيره أضغاث أحلام.

البعض الآخر منغمس في تنظيراته الأخلاقية وخطبه الفضائية بعيدا عن الواقع وقوانين الطبيعة والفعل ورد الفعل، ويري أن الحل في أن يكظم الشعب غيظه ويضبط نفسه أمام اجرام السلطة، وإن لم يستطع وطفح به الكيل وانفجر فهو همجي ومجرم وبلطجي.

هناك أيضا من يلوم الطرفين من باب الكسل أو الاستسهال أو الزهق أو السطحية التي تجعله يري "عركة" فيلوم طرفيها ويمضي. 

على المنظر الأخلاقي أن ينزل علي سطح الأرض ويفهم طبيعة الغضب الشعبي والتحركات الاحتجاجية بعيدا عن مفهوم العلاقات الزوجية والعشم في تحمل الزوجة لزوجها عند الغضب، وعلى التليسكوبي أن ينظر للصورة الكاملة ويوسع من أفقه بدلا من "الزنقة" التليسكوبية التي يقع أسيرا لها، وعلى "المحايد" أن ينحاز. 

المنزعجون من مشهد المقطم بدأوا من "ثانيا" ولاموا ما يرونه من قبل المتظاهرين دون أن يلتفتوا ل "أولا" أو يعيروا له اهتماما. 

أولا، نحن أمام جماعة استباحت دماء المعارضين في نوع من البراء المتطرف، ظهر ذلك بوضوح في الاتحادية حيث القتل والسحل والتعذيب جهارا علي أسوار القصر.

أولا، أفراد من الجماعة ضربوا أحمد دومة وميرفت موسي الجمعة السابقة علي أحداث المقطم لا لشئ إلا لرسم الجرافيتي المسئ لجماعتهم عند مقرها، وذلك استفز قطاعات كبيرة بعد نشر مقاطع من تلك الفيديوهات، وأعلن عن مسيرات احتجاجية لمقر مكتب الارشاد في المقطم اعتراضا علي تلك الواقعة.

أولا، أطلق الاخوان الخرطوش تجاه المتظاهرين في بدايات الأحداث عند مطلع المقطم و عند النافورة وكشري التحرير وذلك وفقا لشهادات عديدة موثقة وموثوق بها.

زيادة علي ذلك، أقام الاخوان حفلات تعذيب جماعية في أحداث المقطم الأخيرة وبشكل نظامي واجرامي يفوق ما حدث من انتهاكات لحظية انفعالية من قبل المتظاهرين، كما اقتحموا مسجد بلال واعترف بذلك مجلس ادارة المسجد وحولوه إلي زنزانة تعذيب.

عنف الجماعة كان وحشي في الاتحادية ضد متظاهرين سلميين تماما، والعنف ضد دومة ومن معه كان عقابا علي رسوم الجرافيتي التي لا يمكن أن تشك في سلميتها إلا إذا كنت من فصيلة مذيع الجزيرة المهني العاقل الذي استفسر في ثبات "هل كان الجرافيتي سلميا؟"، كما أن الخرطوش الذي ضرب علي مسيرة متجهة لرمز من رموز الحكم وهو مكتب الارشاد يوم أحداث المقطم كان استفزازيا وغير مبررا.

إذا كانت السلمية تواجه بالعنف من قبل السلطة وأتباعها، فمن الابتذال أن تري أناس عاقلة تطالب المتظاهرين بالسلمية وتلعن عنفهم الرد فعلي وتتعايش بأريحية مع اجرام الدولة والسائرين في فلكها. 

الشئ الأكثر ابتذالا أن تري اخواني مبتسم بهجةً ونشوةً لضرب مواطنين سلميين يعارضونهم برسوم الجرافيتي، وبعد اسبوع فقط تري نفس الكائن الاخواني متمسكنا في وصلة بكائية هابطة عندما يذوق رد فعل الناس.

لكن الابتذال يُتوَّج ويتوهج عندما تقرأ قرار النائب العام طلعت عبد الله الفائق من غيبوبته المقصودة بضبط واحضار خمسة من النشطاء السياسيين (علاء عبد الفتاح ودومة وحازم عبد العظيم وأحمد غنيمي وكريم الشاعر) ومنعهم من السفر واستدعاء نوارة نجم، وذلك للتحقيق معهم في اتهامات بالتحريض علي أحداث العنف بالمقطم، متغاضيا ما حدث في الاتحادية من انتهاكات مصورة واتهامات لأشخاص بعينها معروفة للعامة وتاركا انتهاكات الداخلية اليومية تجاه المواطنين بل ومتجاهلا انتهاكات الاخوان في نفس أحداث المقطم. ثم يصرح المتحدث الرسمي باسم النيابة العامة مصطفي دويدار بأن القرار لا علاقة له بكلمة الرئيس التي أكد فيها إحالة كل من يثبت تورطه بالتحريض إلي المحاكمة، وأن ما قاله بعض قيادات حزب الحرية والعدالة بشأن استباق قرارات النيابة هو من باب المصادفة ! النيابة، غير تواطئها، مبتذلة حتي في تبريرها.  

أتفهم أن تلوم تعذيب وسحل خصمك بعد استسلامه حتي وإن كان ذلك الخصم لا يبرأ من نفس التهمة في نفس الواقعة. كما أتفهم أن تعترض علي ما يحدث من باب عدم جدواه بالوزن مع خسائره من شهداء وضحايا، أو من باب أنه ليس الأمثل في الاستراتيجية الثورية أو كونه مضر تكتيكيا. لكني لا أتفهم عدم تفهمك لدوافعه وكينونته وكونه رد فعل طبيعي ومتوقع في اطار الصورة الكاملة للمشهد المصري.

إذا كنت تري أن الثورة بعيدة عن المعارك القصيرة المتفرقة فأنت مخطئ كالمعتقد بكونها محصورة في تلك المعارك. الثورة تحطيم لأساطير سطرتها دولة عفنة كالهيبة و"السلطة" والظلم والاجرام المؤسسي، وذلك عن طريق عمل جماهيري منظم طويل المدي يتخلله معارك قصيرة مع من يتوهم ويوهم البعض بقوته وجبروته.

إذا كنت تسب عنف المتظاهرين وتراه بلطجة وتعتنق مبدأ معاداة العنف حتي ولو كان رد فعل علي بطش السلطة، فلا تنتظر مني أن أنظر إليك نظرة عادية وأنت تؤيد الثورة السورية والمقاومة العنيفة المسلحة هناك وتدعو لها ليلا نهارا بالتخلص من المجرم القاتل ونظامه، لأني أراك متناقضا وغير متسقا مع نفسك ومبادئك لأن: 

"الدم كله حرام، ما يحدث الآن عبثي وفوضوي ولا علاقة له بالثورة، تلك بلطجة، "السوري" لا يتعدي علي "سوري"، الرد علي العنف لا يكون بالعنف، لا يصح أن نفعل مثلهم، أين مبادئنا".

No comments:

Post a Comment