Wednesday, 22 August 2012

صناعة ديكتاتور

               
            بعض الناس تصيبهم حالة من الضيق والاشمئزاز قد تصل إلي العداء عندما يسمعون نقدا للرئيس وتراهم يصنفونك علي الفور بأنك "مش عاجبك حاجة" و "خلقت لتعترض وخلاص" و "انت أصلا بتكرهه" وأشياء من هذا القبيل. هؤلاء الناس هم خطر علي الرئيس قبل أن يكونوا خطرا علي أنفسهم، هؤلاء يجيدون فن صناعة الديكتاتور؛ فن تأليه الحاكم وتنزيهه عن كل خطأ ومحاولة ايجاد له مبررات ربما لم تخطر علي باله هو شخصيا، هؤلاء تجدهم دائما يهرولون لابراز ايجابيات الحاكم وتضخيمها بل وافتعالها أيضا في كثير من الأحيان ويصغرون من أو يتغاضون عن آثامه وعيوبه.


            صناعة الديكتاتور تكون من العامة ومن بطانة الحاكم علي حد سواء، وتكون بحسن نية أو سوء نية؛ سوء النية عند المنافقين والمدلسين والمتملقين وحسن النية تكون عند نوعية الأشخاص التي تخاف من النقد ولا تحبه وتعتبره هدما أو عائقا أمام العمل وتري التشجيع والتأييد المطلق للرئيس شرطا لنجاحه وضروري لاستمرار المسيرة بصرف النظر عن أي اعتبارات آخري.

           من طبائع الاستبداد أن يجيد مجموعة من الناس ليست بقليلة هذا الفن ويتقنوه فتقف أمامهم متعجبا متحسرا في نفس الوقت. هذا ما رأيناه بشدة في أسابيع مرسي الأولي من الحكم، رأينا أناسا كانوا يمجدون نظام مبارك بمجلسه العسكري ثم حولوا هذه البوصلة تجاه مرسي وجماعته فورا، ورأينا مؤيدي الجماعة الذين حولوا الباطل حقا وأفنوا وقتهم في التدليس وتلميع رئيسهم ونصرته في الخطأ قبل الصواب.

            بدأت صناعة الديكتاتور باختيار رؤساء تحرير الصحف الحكومية بعيدا عن نقابة الصحفيين، فقد شكل مجلس الشوري الذي يسيطر علي المجلس الأعلي للصحافة لجنة ادارية أغلبها من غير الصحفيين لتختار رؤساء التحرير من المتقدمين للوظيفة، وهو الذي وضع كبار الصحفيين في حرج شديد وهو حرج التقدم لطلب الوظيفة وهو شئ عجيب وغريب وفيه عدم احترام لمهنة الصحافة والصحفيين.

             المهم، جاء اختيار رؤساء التحرير معيبا مؤسفا عاكسا لعقلية جماعة الاخوان المسلمين المسيطرة علي مجلس الشوري. ولنبدأ برئيس تحرير الأهرام عبدالناصر سلامة الذي كان من أهم الداعمين للحزب الوطني المنحل داخل جريدة الأهرام وكان يصفه بالحزب الأقوي ويدافع عنه دائما ويهاجم الأحزاب المعارضة وهاجم الثورة في بدايتها وقال يوم ٧ فبراير ٢٠١١ أي خلال ال ١٨ يوم أن أيد خفية تعبث بأمن البلد وأن أجانب في التحرير يحملون لافتات سقوط النظام وأن سيارات دبلوماسية كانت توزع وجبات علي الموجودين بالتحرير ثم بعد سقوط مبارك استمر في هجومه علي الثورة والثوار ووصف متظاهري محمد محمود ومجلس الوزراء بالبلطجية وخونهم وقال أنهم يعملون وفق أجندات خارجية بل وذهب للمدعو عكاشة في برنامجه ونكل بالثوار وهاجمهم أثناء أحداث مجلس الوزراء. هذه العقلية الملوثة أتت لتكون علي رأس السياسة التحريرية لجريدة عريقة مثل الأهرام في مصر الثورة تحت قيادة الرئيس مرسي، ومثل هذه العقليات هي التي تصنع ديكتاتورا، وقد بدا في الآفاق مقدمات لهذا فقد بدأ سلامة مهامه بالغاء باب "١٠٠ يوم من الوعود الرئاسية" الخاص بوعود مرسي في المئة يوم الأولي كما قال جمال فهمي وكيل نقابة الصحفيين أن سلامة قام بمنع نشر المقالات التي تنتقد الاخوان وأدائهم في السلطة. 

           أما رئيس تحرير الأخبار محمد حسن البنا فحدث ولا حرج عنه، فقد قال عن المشير وعنان أنهما كانا من الحكمة والعقلانية التي تحتاجها البلاد في تعاملهما مع ثورة الشباب في ٢٥ يناير وأنهما يستحقان أعلي وسام في الدولة عن جدارة ويستحقان مع المجلس العسكري تحية تقدير واعزاز من كل أفراد الشعب المصري وهو أولهم علي حد تعبيره، ثم أثني علي قرارات مرسي باقالتهم ووصفها بأنها تعطي دفعة للاستقرار والعمل والانتاج. هذه العقلية أيضا هي التي منعت مقال يوسف القعيد ومدحت العدل من النشر في الأخبار لانتقاداتهما للاخوان في هاتين المقالتين.

           نذهب لرئيس تحرير الجمهورية الجديد جمال عبد الرحيم والذي تجمع هو ومجموعة من أنصاره داخل نقابة الصحفيين عام ٢٠٠٨ وهتفوا ضد مؤتمر "مصريون ضد التمييز الديني" وضد البهائية وأقباط المهجر. هذه العقلية أيضا هي التي قررت عدم نشر صفحة الثقافة والآداب وفقا لغادة نبيل رئيس الصفحة بالجريدة لوجود تقارير ومقالات تنتقد حزب الحرية والعدالة وتهاجم ممارسي الهجمة الشرسة علي حرية الرأي والابداع، كما كشفت غادة عن توبيخ عبد الرحيم لصحفي نشر تقرير عن الكاتب الراحل حلمي سالم والتي ربطته علاقة متوترة مع رئيس التحرير. هذه عينة من تاريخ ومواقف وقرارات ثلاث رؤساء تحرير لأكبر الصحف الحكومية، ابحثوا عنهم واقرؤا لهم لتعلموا من هم هؤلاء الصحفيين ولتدركوا السقطة الكبيرة التي حدثت باختيارهم لهذه المناصب؛ مناصب صناعة الديكتاتور.

          علي صعيد متصل، فإني أري أن اختيار وزيرا للاعلام من الاخوان المسلمين أمر غير مقبول، فكان من الأجدي أن يكون وزيرا تكنوقراط متخصص في شئون الاعلام ليضع خطة لالغاء هذه الوزارة وانشاء مجلس قومي للاعلام. أما اختيار اخواني لهذه الوزارة المؤقتة 'كما يقولون' يثير بعض المخاوف بشأن استقلالية الاعلام الحكومي فيما بعد. كما أنني أنتقد وزير الاعلام الحالي بشدة والذي لم يفتح تحقيقا موسعا حتي الآن حول استضافة قناة النيل للأخبار لمحلل عسكري اسرائيلي للتعليق علي أحداث سيناء الأخيرة والتي أراها امتهانا لنا ولكرامتنا ولدماء شعوبنا العربية وأري فيها تطبيعا مستفزا لا تنقصه البجاحة والنطاعة. كما أطالب مرسي بأن يتدخل وأن يقوم باصدار أوامر بفتح تحقيق جاد علي أعلي مستوي لمعرفة أسباب هذه الكارثة ومحاسبة المسئولين عنها والافصاح عنهم ومنع تكرارها مرة آخري، لأنه لا يصح أن يتكلم مرسي وجماعته دائما عن القضية الفلسطينية ويحدث ذلك تحت قيادته للبلاد فهذا تناقض سافر عليه حله وانهائه. 

             من أدوات صناعة الديكتاتور أيضا هي توجيه تهم فارغة للمعارضين استنادا إلي قانون فاسد، وهو ما حدث في الأيام السابقة فقد وجهت تهمة 'اهانة الرئيس' إلي ثلاث رؤساء تحرير لصحف مستقلة بينهم عبد الحليم قنديل الكاتب المناضل الشريف وسوف يتم استدعائهم لنيابة أمن الدولة العليا للتحقيق معهم. تهمة اهانة الرئيس هي تهمة صناعة الفرعون وتمجيده والحفاظ عليه من أي نقد وهي تهمة غير موجودة في البلاد الديمقراطية، فقط يستخدمها المستبدون للتنكيل بخصومهم السياسيين. لو وافقنا علي تهمة اهانة الرئيس فمن حق البقال والجزار والعامل والمزارع أن يطالبوا بقانون يجرم اهانتهم أيضا. الرئيس مثله مثل باقي المواطنين؛ فعندما يتأذي من لفظ أو اتهام، عليه أن يلجأ للقانون الذي يجرم السب والقذف والذي يطبق علي كل أفراد الشعب، أما تمييز الرئيس بقانون خاص "مع العلم بأن معه السلطة التشريعية ويستطيع الغائه" واستخدامه لهذا القانون ما هو إلا فرعنة له واستبدادا منه للتنكيل بمعارضيه. كما لم يعجبني غلق قناة تليفزيونية برغم اختلافنا معها، فهناك طرق قانونية لمقاضاة القناة ومذيعيها والنيل منهم بالقانون، أما غلق القنوات تعسفا حتي ولو كان مؤقتا فهو أمر غير مقبول.

              في سياق صناعة الديكتاتور وتلميع قراراته، أتحفنا بعض مؤيدي مرسي من العامة والنخب علي حد سواء بالمبالغة في الثناء علي السيسي قائد الجيش الجديد وعضو المجلس العسكري ومدير المخابرات الحربية أيام مبارك. السيسي الذي دافع عن كشوف العذرية وتورط في جرائم المجلس العسكري سياسيا علي أقل تقدير لا يستحق كل هذا المديح والتقدير ومكانه الطبيعي هو السجن. قرارات مرسي الايجابية في مجملها أعمت البعض عن التدقيق في تفصيلاتها وجعلتهم يفقدون الموضوعية اللازمة للتقييم فراحوا يهللون ويطبلون للقرارات ونسوا أو تناسوا أنهم بذلك يصنعون ديكتاتورا. نفس الشئ حدث مع رئيس الأركان الجديد صدقي صالح الذي ظهرت له بعض الصور وهو يقبل يد سيدة عجوز ثم بدأ التهليل والتطبيل، وتناسي هؤلاء المطبلاتية أن كل أعضاء المجلس العسكري تقريبا لهم صور مشابهة وأن هذا الرجل هو الذي نكل بثوار السويس ودعم المحاكمات العسكرية للمدنيين هناك. كما أن تشدق البعض علينا بعبارات مثل "انهاء مرسي لحكم العسكر" و "القضاء علي الدولة العسكرية" أراه مبالغا فيه ويصل إلي درجة التدليس السياسي الذي يهدف لتضخيم وتلميع قرارات الرئيس، فهل احالة ٥ قيادات من المجلس العسكري إلي التقاعد يكون بمثابة قضاء علي الدولة العسكرية؟ توغل العسكر في الدولة وسيطرتهم علي مفاتيحها مازال كما هو، وتغيير قيادة بآخري ليس معناه إنهاء حكم العسكر، وإلا لكان السادات قد أنهي دولة العسكر بتغييرات مايو ٧١ !! ننتظر المزيد لكي نقول أن دولة العسكر قد انتهت.

             علي صعيد آخر، محا القيادي الكبير بجماعة الاخوان المسلمين ورئيس حزب الحرية والعدالة عصام العريان تويتاته من علي موقع تويتر والتي كان ينتقد فيها الجنزوري رئيس الوزراء السابق وذلك عندما كرمه مرسي وعينه مستشارا، ليثبت لنا أن مصداقية الجماعة لا تزال في الحضيض، ولينضم رسميا لنادي صناعة الديكتاتور كعضو نخبوي. العريان بفعلته أثبت لنا أنه لا يعرف الحق كما أثبت لنا أنه مدلس ومخادع. العريان هذا الذي هاجم اليسار هجوما شرسا يفتقد الموضوعية ويمتلأ بالكذب والافتراءات أثبت لنا أيضا أنه ناكر للجميل حيث أن اليسار الذي ينتقده الآن هو من وقف بجانب جماعته وغيرها في وقت كان بقية التيارات تستمتع بلحس أحذية الحاكم. 

            كما أنه من غير اللائق أن يحصل مرسي علي جميع الأوسمة والنياشين المدنية للدولة، فهذا تكريس لديكتاتور جديد يكرم ويفخم من الدولة بدون أي سبب منطقي أو انجاز حقيقي. حدث ذلك وفقا للقانون رقم ١٢ لعام ١٩٧٢ وهو القانون الذي ينظم حصول الرئيس علي جميع الأوسمة والنياشين المدنية حتي يكون قادر علي اعطائها لغيره، هذا قانون آت لنا من زمن الاستبداد والفرعنة فهو يبرر وجوب حصول الرئيس علي تلك الأوسمة تبريرا ساذجا لا يقنع طفلا صغيرا. كشفت جريدة التحرير عن هذه الواقعة المتكتم عليها اعلاميا والتي لم نعرف عنها شيئا ثم أكدتها الرئاسة وبررت ذلك بوجود قانون، وتناست الرئاسة أن الرئيس معه سلطة التشريع التي اغتصبها لنفسه في بلطجة معلنة في اعلانه الدستوري الذي لم نستفتي عليه وبإمكانه إلغاء هذا القانون المعيب. وهنا نريد أن نعرف، لماذا سمح الرئيس مرسي لنفسه بقبول هذه الأوسمة والنياشين؟ هل استحسنها وطابت في عينه؟ لماذا لم يرفضها ويلغي هذا القانون؟ كيف نثق فيه وهو يرضي بأخذ ما لا يستحق؟

                  أسئلة كثيرة تخشي وترفض صناعة ديكتاتور. 

No comments:

Post a Comment