في خضم الصراع بين مجلس الشعب وحكومة الجنزوري واتهامات المجلس وانتقاداته المستمرة للحكومة الهزيلة، هدد رئيس الوزراء 'الفلة' المعين الكتاتني رئيس مجلس الشعب المنتخب بأن حكم حل البرلمان في درج المحكمة الدستورية وكان تهديدا منحطا يعكس انحطاط مؤسسات وسلطات دولة بحجم مصر بعد ثورة عظيمة تحت قيادة مجلس عسكري فاشل ومتخبط. هذا التهديد يكشف عدة حقائق، أولها تآمر السلطة التنفيذية والقضائية علي السلطة الوحيدة المنتخبة في البلاد وهي السلطة التشريعية، وثانيها هو رفض القيادة السياسية للبلاد بحكومتها أن تقوم مؤسسات الدولة بدورها ممثلة في البرلمان وقد تجلي ذلك إبان عصيان أعضاء الحكومة ورفضهم الذهاب للبرلمان في حادثة طفولية كانت تستدعي محاسبة حقيقية وردع شديد.
صدق الجنزوري وعيده وأصدرت المحكمة الدستورية حكما بحل البرلمان ونفذه المشير بصفته رئيس الجمهورية آنذاك. دعنا من جانب مؤامرة السلطة التنفيذية مع القضائية علي التشريعية والمثبتة بتهديد الجنزوري لرئيس مجلس الشعب قبل الحل بشهور ولنذهب لنفصل حكم المحكمة الدستورية المعيب.
قالت المحكمة الدستورية في حكمها أن القانون الذي قام عليه ثلث البرلمان الفردي غير دستوري لأنه يجافي تكافؤ الفرص حيث يسمح لأعضاء الأحزاب بالنزول علي مقاعد الفردي كمستقلين والذي يقلل من فرص المستقلين الغير منتمين لأحزاب. حسنا، حتي هذه اللحظة المحكمة الدستورية لم تتجاوز ولم تخطئ فقانون المحكمة الدستورية الذي ينظم اختصاصاتها يقول أن للمحكمة الحق في الفصل في دستورية القوانين.
ذهبت المحكمة الدستورية لأبعد من ذلك في حيثيات حكمها فأقرت ظلما وادعاءا أن هذا القانون أثر في تشكيل مجلس الشعب بكامله وهو الأمر الذي أضحكني كثيرا في واقع الأمر وأحاول ويحاول معي كثيرون جاهدين لفهم هذا الادعاء الكاذب فهذا القانون لم يؤثر علي الثلثين بشئ ولم يؤثر علي كل الثلث أيضا لأن المنتمين للأحزاب لم ينافسوا علي كل دوائر الفردي بل علي جزء منها فقط، وبالتالي فهذا القانون أثر علي جزء من الثلث وليس المجلس بكامل تشكيله كما ادعي أباطرة المحكمة الدستورية. وبناءا علي ذلك الافتراض الخيالي قالت المحكمة في حيثيات الحكم أن المجلس باطل ويجب زوال وجوده بقوة القانون وأن هذا الحكم ملزم للدولة بسلطاتها. وهذا النص من حيثيات الحكم أجده خير رد علي المدعين بأن المحكمة لم تحل البرلمان وأن هذا هو قرار المشير، فالمشير ظاهريا نفذ حكم المحكمة ليس إلا.
هنا أقول: هل من حق المحكمة الدستورية حل البرلمان؟ هل قانون المحكمة الدستورية الذي يحدد اختصاصاتها يتيح لها هذه الصلاحية؟ الاجابة بالقطع لا. المحكمة الدستورية مختصة بالفصل في دستورية القوانين فقط أما قرار حل البرلمان فهو حكم اجرائي أو تنفيذي من اختصاص القضاء الاداري. وهنا يتجلي لنا مخالفة المحكمة الدستورية للقانون الذي ينظم دورها واختصاصها فيتحول الحكم القضائي إلي بلطجة قضائية لا أساس لها؛ فليس من المنطقي أن تصدر محكمة القضاء الاداري حكم بالاعدام علي مواطن وينفذ وليس من المنطقي أن تصدر محكمة الجنايات حكما بعدم دستورية قانون وينفذ. هنا يجب التصدي لبلطجة هذه المحكمة وردعها ولفت انتباهها أنها تعمل وفقا للقانون وليس الهوي ولا أي شئ آخر غير القانون. فبلطجة القضاء تقوّم وتردَع أما أي حكم قضائي حتي وإن كنا نراه معيوبا أو شاذا فلابد أن ينفذ لأن هذه هي دولة القانون. وإن كان رئيس الجمهورية يري كما نري أن القضاء غير مستقل فعليه أن يعمل علي استقلاله وتطهيره من عناصره الفاسدة لا أن يلغي أحكامه لأن هذا يكرس لعدم احترام دولة القانون. ولكن الأمر هنا مختلف كما بينّا فهذا ليس حكم قضائي، بل هذه بلطجة قضائية خرجت من اطار الأحكام القضائية.
علي هذا الأساس وليس إلا وافقت وأيدت قرار مرسي بالغاء حل البرلمان. لم أقتنع بما خرج علينا به مستشارو الرئيس القانونيين وبعض القانونيون من أقوال وردده بعض مؤيدو مرسي ومعارضوه علي حد سواء مثل أن الرئيس مرسي لم يلغي حكم المحكمة ولكنه ألغي قرار المشير وقد بينت سلفا وأثبت بنص حيثيات الحكم كذب وسذاجة هذه الحجة أو هذا الادعاء. ولكني في نفس الوقت استنكرت توقيت اعلان هذا الالغاء فقد أدخل الرأي العام في صراع قانوني وسياسي ربما يفوق قدراته في هذه اللحظة العصيبة وأربك المشهد السياسي الوليد الذي كان يتطلب ربما قرارات أولي وأهم من هذا القرار تجذب الشارع إليه وتثبت قدميه كرئيس فعلي للبلاد تدعمه الجماهير.
ولكن الأمر لم ينتهي عند جدل الشارع حول هذا القرار، فوجد قضاة مبارك وعلي رأسهم الزند (الذي مدح مبارك عام ٢٠١٠ وقال عنه أنه يحترم أحكام القضاء في تبجح وكذب شديدين وتناسي رفض مبارك تنفيذ حكم القضاء الاداري بوقف تصدير الغاز لاسرائيل ثلاث مرات متتالية وغيرها من الأحكام التي رفض مبارك تنفيذها) منها فرصة لتوجيه ضربات قوية للرئيس مرسي وأخذوا يتشدقون علينا بعبارات رنانة ترفض امتهان القضاء وعدم احترام أحكامه وهم الذين سكتوا ورضوا بامتهان القضاة الحقيقي عام ٢٠٠٥ عندما ضربتهم قوات الداخلية أثناء وقفتهم الاحتجاجية للمطالبة باستقلال القضاء في حادثة غير مسبوقة يندي لها الجبين، بل أن هذا الزند الثائر لكرامة القضاء كان من ضمن القضاة الذين لم يقاطعوا الاشراف علي انتخابات ٢٠١٠ اعتراضا علي أحداث ٢٠٠٥ المشينة، أين كانت كرامة القضاء أيها الزند؟
أثناء هذه الضجة، أصدرت المحكمة الدستورية حكما بالغاء قرار الرئيس مرسي بعودة البرلمان في تحدي سافر للمرة الثانية للقانون الذي يحدد اختصاصاتها وفي اعادة لمشهد البلطجة القضائية الأول، فالغاء قرار الرئيس هو حكم تنفيذي أو اجرائي من اختصاص القضاء الاداري أيضا وبالفعل كانت هناك دعاوي في مجلس الدولة لالغاء قرار الرئيس وكان هذا مكانها الصحيح ولكن استبقت المحكمة الدستورية الأمر وأصدرت الحكم هي في 'فتونة' غريبة ولم تترك الأمر لصاحبه ربما لعلمها باستقلالية القضاء الاداري بعض الشئ عنها وذلك لأسباب عديدة لا مجال لذكرها الآن. علي كل حال، انتهي الأمر برضوخ مرسي للمحكمة الدستورية للأسف الشديد احتراما لأحكام القضاء علي حد تعبيره وربما لم يدرك أن هذه بلطجة قضائية وليست أحكام قضائية، وأضاع عظمة موقفه الأول (الفصل بين السلطات وعدم السماح لسلطة بالتعدي بالمخالفة للقانون علي سلطة آخري) برعونة موقفه الثاني ربما لعدم ادراكه حيثيات موقفه الأول.
لم تكتفي المحكمة الدستورية العليا بهذه المخالفات وحسب، فقد أصدرت المحكمة حكم حل البرلمان ونشر في الجريدة الرسمية قبل سماع المرافعات وهذا يعني أن المرافعات لن تؤثر في الحكم لأنه أُصدر بالفعل وأنه معد سلفا وغير قابل للنقاش. بالاضافة لذلك وايحاءاته الخطيرة، فهو كافي لأن تُختصم المحكمة من أجله والمحكمة تختصم لأي خطأ مهني جسيم مثل هذا ولا يحق لها إصدار أي أحكام خلال فترة اختصامها حتي يتم الفصل في هذا الاختصام من هيئة عليا من محكمة النقض علي ما أذكر. وهذا ما خالفته أيضا المحكمة الدستورية العليا، فقد اختصمت المحكمة لهذا السبب ثم أصدرت حكمها بالغاء قرار مرسي أثناء اختصامها مستمرةً في مسلسل البلطجة القضائية وعدم احترام القانون.
المحكمة الدستورية العليا بتشكيل قضاتها الآن هي محكمة نظام مبارك العليا ولابد أن تطهر مثلها مثل القضاء المصري برمته الذي شابه ولوثه الفساد والتبعية. لا أنكر وجود قضاة شرفاء مستقلين ولكنهم غير مؤثرين في الاتجاه العام للقضاء المصري الغير مستقل بالمرة. علينا الاستعانة بقضاتنا الشرفاء للتخلص من موظفي القضاء المرتشين الفاسدين الذين يلوثون أسمي المهن و أتمني أن يكون اختيار مرسي لمكي وزيرا للعدل وهو قاضي من قضاة الاستقلال الشرفاء خطوة أولي وليست أخيرة علي طريق تطهير القضاء الذي بدون تطهيره لن تكون لهذه البلاد نهضة ولا يحزنون.
انتصرت اليوم مؤامرة المجلس العسكري مع القضاء الفاسد علي مجلس الشعب المنتخب، ولكن غدا لن ينتصر إلا القانون عندما تحاكمكم الثورة وتزج بكم إلي السجون.

No comments:
Post a Comment