Thursday, 16 August 2012

قراءة تحليلية لقرارات تاريخية

                
                طالبنا مرارا وتكرارا بأن يلغي مرسي الاعلان الدستوري المكمل الذي يعد انقلابا عسكريا فجا علي صلاحيات الرئيس المنتخب، هذا الاعلان الذي ختم الفترة الانتقالية شر ختام يليق بما اكترفه المجلس العسكري من مصائب علي مدار عام ونصف تقريبا. كما طالبنا بسقوط حكم العسكر ومحاسبة أعضاء المجلس العسكري علي جرائمهم في حق الشعب المصري وقتلهم الشباب وسحلهم وفقء عيونهم وهتكهم أعراض البنات واعتقال الأبرياء وتعذيبهم واذلالهم ومحاكمتهم عسكريا وغيره و غيره.

               أصدر مرسي يوم ١٢/٨ قرارات هامة وجريئة وصائبة أظن أن التاريخ سوف يسطرها في كتاب الهيمنة المدنية علي المؤسسة العسكرية وخضوعها للشرعية الدستورية ونهاية عسكرة الدولة في مصر بأنها كانت أولي هذه الخطوات. 

                ألغي مرسي الاعلان الدستوري المكمل الذي لا أساس له، فانتزع صلاحياته وأحال طنطاوي وعنان للتقاعد ومعهم ثلاثة قادة لأسلحة مختلفة داخل المجلس العسكري. 

                 مخطئ من يتصور أن هذه قرارات سهلة ومخطئ من يتصور أنها قرارات غير محسوبة رغم جرأتها، فمرسي جاء بالسيسي مدير المخابرات الحربية وعضو المجلس العسكري أيضا ليصبح وزير الدفاع والقائد العام للجيش وهو الرجل المعروف بميله للشرعية واحترام ارادة الشعب أكثر من طنطاوي ورجالته داخل المجلس ويقال إنه علي غير توافق معهم، وهي خطوة محسوبة ففي لحظة كهذا بتغييرات كبيرة كتلك لابد من التأمين بأن الجيش لن يتحرك حركة مضادة وهذا يكون باستمالة رجل في منصب السيسي أو الاتفاق معه علي هذه القرارات قبل اصدارها، فمدير المخابرات الحربية من صميم عمله تأمين الجيش من الحركات المضادة من داخله. أما تعيين صدقي صالح رئيسا للأركان فأراها خطوة محسوبة أيضا فالرجل قائد للجيش الثالث الذائع الصيت (لمن لا يعرف فالجيش الثالث متواجد بالقناة وكان له دور عظيم بحرب أكتوبر) واختياره لهذا المنصب الرفيع أراه يمكن أن يكون لأسباب لوچيستية بحتة وتواجده في موقع استراتيچي علي رأس الجيش الثالث فيكون تأمينا وضمانا ضد أي تحرك من الجيش.

                 بالاتفاق مع هؤلاء الرجلين وربما أعضاء من داخل المجلس العسكري أمن مرسي نفسه وتيقن من أن الجيش معه قبل اصدار هذه القرارات الصعبة ولذا فهي قرارات محسوبة جيدا. وهذا ما يجب أن يكون ففي لحظات كتلك وفي تحول مشهد سياسي كامل بهذه الصورة وفي مواجهة مؤسسة عسكرية شابها ونالها الفساد السياسي والمالي وتوغلت في حكم جميع مؤسسات وهيئات الدولة، لابد من تخطيط ودهاء في المواجهة وأن تكون القرارات محسوبة جيدا. 

                 التعامل مع المؤسسة العسكرية وطرق تطهيرها في البلاد المستبدة التي تتحول تحول ديمقراطي كمصر تكون بشكل خاص ومختلف عن باقي المؤسسات، فتطهير القضاء علي سبيل المثال يتم بالاستعانة بالشرفاء من القضاة وابعاد القضاة الفاسدين، وهو الأمر الذي لا يصلح بهذه السهولة عندما نتكلم عن المؤسسة العسكرية لأن ببساطة العسكر يمتلكون القوة وقادرون علي جريمة التحرك ضد الشرعية عندما تشعر القيادات الكبيرة أنها أبعدت فجأة لحساب ظباط بعيدين عن السلطة وغير ملوثين. فالحل دائما ما يكون بالتدريج عن طريق ابعاد الأكثر فسادا وطغيانا بالأقل الذي اتفقت معه واستخدمته واستخدمت خلافات ما أو رغبات دفينة لديه للاطاحة بزميله.

                ولذا وافقت علي اختيار السيسي وصدقي ليكونا علي رأس الجيش المصري وهم لا يستحقا هذين المنصبين الرفيعين في المطلق، ولكن إيمانا مني بمرحلية القرار ووجوب عدم فصله عن توقيته وافقت عليه. فالسيسي هذا الذي قال لل BBC أن كشوف العذرية مبررة لا يستحق أن يكون قائدا عاما للجيش المصري  وهو يبرر هتك عرض بنات وطنه، وصدقي هذا الذي نكل بثوار السويس ويدعم المحاكمات العسكرية للثوار هناك بكل ما أوتي من قوة لا يستحق أن يرأس أركان حرب جيشنا.

                 هنا من الواجب أيضا توضيح أن عسكرة الدولة لم تنتهي وأن قرارات مرسي المرحلية ذاتها تؤكد ذلك؛ فاثنين من القيادات في المجلس العسكري بعد احالتهما للتقاعد تم تعيينهما رئيسا منتدبا لمجلس ادارة هيئة قناة السويس (علما بأنه يسيطر علي هذا المنصب عسكري منذ عقود عديدة ولا يقدم الجديد ولا يطور من القناة ولا يستغلها الاستغلال الأمثل، كان آخرهم أحمد فاضل الذي مددت له خدمته لعام آخر بعد الثورة رغم مرضه الشديد مجاملةً من المجلس العسكري لسيادة الفريق الذي يحوله المرض عن القيام بعمله) ورئيسا لمجلس ادارة الهيئة العربية للتصنيع الذي يسيطر عليها العسكريون أيضا ولها ميزانية خاصة لا تراقب من مؤسسات الدولة الرقابية. عسكرة الدولة لم تنتهي بعد، فقط بدأنا طريق القضاء عليها بقرارات مرسي وسننتصر لاعلاء لواء الدولة المدنية علي حساب العسكرية بإذن الله في القريب العاجل.  

                لا أستطيع هنا أيضا أن أخفي غضبي من قلادة النيل التي أعطاها مرسي لطنطاوي والتي تعطيه مزايا أدبية وبروتوكولية عديدة لا يستحقها ولا قلادة الجمهورية التي أعطاها لعنان ولا أري في هذين القرارين أي جانب تكتيكي أو تفاوضي أو سياسي أو مرحلي. فقط ارضاءهما علي حسابنا نحن وعلي حساب دمائنا وكرامتنا. كما أخشي أن يكون تكريمهما هو بمثابة خروج آمن يفلتا به من العقاب والمسائلة. أتمني أن يكون في خطة الرئاسة ونيتها تقديمهما مع بقية أعضاء المجلس العسكري بما فيهم وزير الدفاع الجديد للمحاكمة والقصاص منهم لشهدائنا الأطهار، وأن تكون مسألة وقت ليس إلا، لأننا لن نتهاون ولن نقبل أي تفاهمات أو مساومات علي دماء شهدائنا. 

               كما لم يعجبني أن يصدر الرئيس اعلانا دستوريا بدون استفتاءنا عليه. بأي حق يصدر الرئيس اعلانا دستوريا؟ من أعطي له هذا الحق؟ هل مطلوب منا أن نصفق لمرسي علي اعلانه الدستوري في حين كنا ننتقد نفس الاعلانات الدستورية من العسكر بحجة أنه من أعطاهم الحق في هذا؟ أم نفتقد موضوعيتنا ونوافق علي الاعلانات الدستورية مادامت تعجبنا ونترك المبدأ؟ أخطأ مرسي عندما أصدر اعلانا دستوريا وكان الأجدر به أن يلغي الاعلان المكمل بقرار جمهوري ويسجل فيه سبب الالغاء بأنه لا أساس له وأصدرته سلطة ليس من حقها اصدار اعلانات دستورية ولم تستفتي الشعب عليه فإذن هو كأن لم يكن ويصبح باطلا. لو فعل مرسي هذا لنال احترامي وتأييدي أكثر، أما استخدام أدوات غير صحيحة في معركة صحيحة يفقدك من قيمة ونبل هذه المعركة. 

              أخيرا وليس آخرا، أعجبني بشدة اختيار مرسي للمستشار الجليل محمود مكي نائبا له فهو رجل شريف ونزيه ومحارب عظيم من أجل استقلال القضاء فقد تحدي نظام مبارك من أجل مبدأ و قيمة وسجن من قبل عقابا له علي مواقفه المشرفة، فأقصي ما يسعدني أن يصل مناضل عظيم كمكي إلي قصر الرئاسة، هذا بالاضافة لكونه قامة قانونية كبيرة ستفيد القصر قانونيا بالتأكيد وخصوصا في هذه الظروف والصراعات التي تمر بها البلاد. علي كل حال، أطمأن الآن علي بطانة الرئيس فالسفير رفاعة الطهطاوي رئيس ديوان الرئاسة والمستشار محمود مكي نائب الرئيس يحيطان بل مشاركان في دائرة صنع القرار علي أعلي مستوياتها ولا أظنهما سيسمحا بأي ميل أو تراخي عن تحقيق أهداف الثورة. 

             قرارات مرسي ايجابية في مجملها وأراها صائبة إلي حد كبير رغم بعض النواقص والملاحظات، فمقياس تقييمي للقرارات هو أهداف الثورة، فلو استمر مرسي في أخذ قرارات كهذه سندعمه وسنسانده حتي تتحقق مطالب الثورة وأهدافها جميعا ونبني دولتنا التي نريدها، ولو حاد عن ذلك لن نتركه ينعم بكرسيه ولن نسمح له بذلك.

No comments:

Post a Comment