أحيل عبدالحليم قنديل وعادل حمودة واسلام عفيفي رؤساء تحرير ثلاث صحف مستقلة إلي نيابة أمن الدولة العليا بتهمة اهانة الرئيس. تهمة ماذا؟ تهمة اهانة الرئيس. وهل مازالت هذه تهمة في زمن مصر الثورة؟ للأسف نعم، فالمادة رقم ١٧٩ من قانون العقوبات تنص علي أنه "يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ٢٤ ساعة ولا تزيد علي ثلاث سنوات كل من أهان الرئيس" وقد جاء التشريع المصري خاليا من تعريف الإهانة وأظن أن هذا مقصود لكي يترك مجال واسع للاتهام وملاحقة المعارضين والتنكيل بهم، وإن كان الفقه القانوني قد عرف الإهانة بتعريفات تسجن أي معارض علي وجه الأرض؛ مثل أنها كل ما يمس الاحساس أو الشرف أو الكرامة أو نقد يضعف أو يحد من سلطات الرئيس وحقه الذي يستمده من الدستور. فكما نري، حتي تعريفات الفقه القانوني جاءت فضفاضة حاملة لأكثر من معني.
هذا القانون المعيب بجانب كونه فضفاضا يحمل بين طياته تمييزا سافرا لرئيس الجمهورية عن بقية الشعب، فلماذا يستثني الرئيس بقانون خاص يجرم اهانته؟ وماذا عن اهانة أي فرد من أفراد الشعب؟ أين حق المكوجي والحلاق والطبيب والسمكري والمهندس والعامل والمزارع والنجار من قانون يجرم اهانتهم أيضا؟! الرئيس مثله مثل باقي المواطنين ويكفيه القانون الذي يجرم السب والقذف والذي يسري علي جميع المصريين ويقضي بعقوبة السجن أو الغرامة أو كلتاهما علي المتجاوز. أما قانون اهانة الرئيس فيحسم الأمر بالحبس فقط ولا يضع حسبانا للغرامة وهو ما نراه تمييزا لرئيس جاري فرعنته.
تم استخدام هذا القانون وباشرت نيابة أمن الدولة العليا التحقيق في بلاغات ضد اسلام عفيفي رئيس تحرير جريدة الدستور ثم أحالته لمحكمة الجنايات. وهنا أسأل، ما علاقة نيابة أمن الدولة العليا بهذا؟ هل الأمر خطير ويهدد الدولة لهذه الدرجة؟ أم أنه رجوع لعهد البوليس السياسي وأمن الدولة السياسي اللذان يحميان النظام وليس الدولة؟ ألا يعتبر هذا تمييزا للرئيس وربط اهانته بأمن الدولة واستقرارها؟ علي أية حال، أصدرت محكمة جنايات جنوب الجيزة قرارا بحبس عفيفي احتياطيا وتأجيل القضية إلي جلسة ١٦ سبتمبر المقبل، وتم ايداعه بسجن الاستقبال بمنطقة سجون طرة وسلمته ادارة السجن البدلة البيضاء المخصصة لسجناء الحبس الاحتياطي في مشهد يؤلم الثورة ويطعن مكتسب أساسي من مكتسباتها وهو حرية الرأي والتعبير.
استخدم مرسي لأول مرة سلطته التشريعية التي نقلها لنفسه جورا وأصدر في نفس ليلة حبس عفيفي احتياطيا مرسوما بقانون يلغي الحبس الاحتياطي للصحفيين في جميع الجرائم التي ترتكبها الصحف وعدل المادة ٤١ من قانون الصحافة رقم ٩٦ لسنة ١٩٩٦ وحذف منها الاستثناء الذي كان منصوص عليه في المادة ذاتها والذي كان يجيز حبس الصحفيين احتياطيا إذا وجهت لهم تهمة إهانة الرئيس. وبناءا علي هذا التعديل التشريعي، فقد رحلت ادارة سجن طرة عفيفي إلي نيابة الجيزة تمهيدا للافراج عنه ثم أفرج عنه بالفعل من قسم الدقي.
الحبس الاحتياطي كان أمرا غريبا وغير مفهوما، فلماذا التحفظ علي صحفي لحين النطق بحكم المحكمة؟ فمن المعروف أن الحبس الاحتياطي هو اجراء احترازي لحماية سير القضية وللحفاظ علي الأدلة أوالشهود مثلا، إذا ما الداعي لفعل هذا مع الصحفيين والدليل أو التهمة هي المادة المنشورة ذاتها الغير قابلة للتشويه أو التلاعب، لا مجال للاحتياج للحبس الاحتياطي في هذه الحالة أصلا.
علي أية حال، ليس هذا ما يهمني. ما يهمني هو حبس الصحفيين والذي أبقي عليه مرسي وحاول ارضاء الصحفيين وخديعتنا أو الهاءنا عن المشكلة الأساسية بالغاء الحبس الاحتياطي لهم فقط والذي يكون عدة أيام، كما أبقي مرسي علي القانون الذي يحبس من يهين سيادته ويفرق بينه وبين جموع المواطنين الذين أتوا به رئيسا. ثم خرج علينا ياسر علي المتحدث الرسمي باسم الرئاسة ليكمل الفيلم بقوله أن إلغاء الرئيس الحبس الاحتياطي للصحفيين في قضايا النشر هو انتصار لحرية الرأي ويأتي انطلاقا من إيمان الرئيس بها. قضية اسلام عفيفي مازالت قائمة ومن الممكن أن يأخذ ثلاث سنين سجنا وفقا للقانون في جلسة ١٦ سبتمبر لأن مرسي ومعه السلطة التشريعية لم يلغي حبس الصحفيين في قضايا النشر ولم يلغي قانون اهانة الرئيس.
وبناءا علي ذلك، جاءت افتتاحية نيويورك تايمز يوم السبت ٢٥ أغسطس متهمة مرسي بأنه لم يتعلم بعد الدرس المستفاد من سقوط مبارك وأن قمع الحريات لن يجدي مع المصريين العازمين علي جعل أصواتهم تسمع ونددت الصحيفة بقمع الصحفيين وفرض قيود علي حرية الصحافة. هذا رأي النيويورك تايمز واحدة من أكبر الصحف في العالم، وهذا ليس غريبا فمن يقرأها هي وصحف العالم الديمقراطي الكبيرة يدرك كيف أنهم ينتقدون رؤسائهم وقياداتهم السياسية انتقادات شرسة وجريئة ربما لا تخلي من التعدي عليهم بألفاظ خارجة عن حدود الآداب العامة، فجريدة الاندبندنت البريطانية الشهيرة وصفت رئيس وزراءها السابق توني بلير بعدما اتخذ قرار الاشتراك في غزو العراق بأنه "ذيل الكلب" ولم نسمع أن الجريدة أغلقت أو قدم رئيس تحريرها للمحاكمة، والأمثلة علي ذلك كثيرة ربما لا يسمح المجال لذكرها جميعا.
أنا مع انتقاد الرئيس بأشد الانتقادات ومع سبه "توصيفا له" أيضا إن كان يستحق ذلك؛ فمثلا عندما يكذب الرئيس، نقول أن الرئيس كاذب، وعندما يتفق مع العدو علي شئ ضد مصلحة البلاد، نقول أن الرئيس خائن، وعندما يتصرف تصرفا ساذجا غير مسئولا، نقول أن الرئيس أهبل أو عبيط، وهذا يحدث في دول العالم الديمقراطي علي أوسع نطاق، وإن كان المسئول لا يتقبل أو يتحمل ذلك فعليه أن يترك العمل العام ويتفرغ لحياته الخاصة. لكنني ضد التطاول والخروج عن الأدب بدون سبب وضد فبركة الأخبار ونشر الاشاعات ولكن ما هي عقوبة هذه الأفعال؟ العقوبة تكون فرض تعويضات مالية مغلظة علي هذه الجهة الاعلامية "جريدة أو قناة تليفزيونية" واجبارها علي الاعتذار وتكذيب ما ادعت به، وهذا خير رادع لأن العقوبات المالية المغلظة ستجعل هذه الجهات تتيقن من مصادرها ولا تنجرف انجرافات خبيثة مغرضة ناشرة للأكاذيب والخرافات خشية الإفلاس.
الجهات الاعلامية التي تتجاوز حرية الرأي والتعبير للفبركة والكذب والتضليل تكون محاسبتها كما ذكرنا سالفا، أما حبس الصحفيين والاعلاميين ومصادرة الصحف وغلق القنوات فهو أيضا ضد حرية الرأي والتعبير ولا يحدث في أي دولة ديمقراطية، كما أنهم حلول غبية تضخم من حجم المعارضين وتصنع من بعضهم أبطالا زائفين وتسلط الضوء عليهم وتزيد من متابعيهم، فكم واحد منّا كان يعرف اسلام عفيفي (الذي أعارضه بشدة ولا أتفق معه بالمناسبة) مثلا؟ كم كان عدد النسخ اليومية لجريدة الدستور؟ النظام أحيانا بغبائه يقوي شوكة معارضيه.
يجب أن يلغي نهائيا حبس الصحفيين في جرائم النشر لأن هذا يعيق عملهم وحريتهم في التعبير عن آرائهم ودورهم في كشف الحقيقة وملاحقة الفساد والفاسدين. استثناء الصحفيين من الحبس علي جرائم النشر من سب وقذف وغيره هو ضروري لقيامهم بعملهم، وهناك استثناءات شبيهة للقضاة ولرجال الشرطة ولأعضاء مجلس الشعب ولرئيس الجمهورية نفسه تجيز لهم أشياء ربما ليست لغيرهم وتعاقبهم عقوبات مغايرة بآليات آخري ولكن ذلك لتمكينهم من القيام بعملهم علي أكمل وجه وهذا ما نرجوه لرواد السلطة الرابعة من صحفيين واعلاميين.
بقي لنا أن نذكر أن اسلام عفيفي الذي نكل به من قبل الرئيس بقانون اهانة سيادته مختفي في ظروف غامضة بعد إخلاء سبيله، فقد ظهر علي قناة CBC بعد الافراج عنه متحدثا عما حدث له إلا أنه بعد انتهاء البرنامج اختفي وأسرته لا تعلم عنه شيئا والاتصال منقطع به منذ مساء الخميس الماضي. الاختفاء في ظروف غامضة سببه ومسببه معروفان لأي طفل صغير، الاستبداد والتنكيل بالمعارضين وخطفهم قد بدأ، ولكننا نحذر كما حذرت النيويورك تايمز بأن ردنا كان قاسي علي مثل هذه الممارسات فعلي الرئيس مرسي أن يتعظ من مصير سلفه المسجون حاليا.

No comments:
Post a Comment