Friday, 6 April 2012

الاخوان و العسكر بعد ترشيح الشاطر


                كتبنا في المقالة السابقة عن الصفقة المشبوهة بين الاخوان و المجلس العسكري و بيّنّا أنها صفقة تقوم علي المصالح لا الود فلا ود ولا ما قارب الود بينهما و استنكرنا تحول الاخوان في مواقفهم و كذبهم الدائم البيّن و بينا التناقض الشديد الذي أوضحه بيانهم فقد قالوا فيه كل ما كان يقوله الثوار علي مدار عام كامل و كانوا ينتقدونه و يعارضونه و أظهرنا سبب التوتر المؤقت بين الاخوان و المجلس العسكري.. و لكن الأيام القليلة الماضية أظهرت احتواء الخلاف المؤقت أو التوتر اللحظي نسبيا بين الحليفين و لوحت في أذهاننا باحتمالية افتعال هذا التوتر تمهيدا لقرار سياسي قادر علي قلب موازين الموقف السياسي الراهن و جدير ببعض الخطط و المراوغات السياسية التي ليست بطبيعة الحال نزيهة .. 
                  أعلنت جماعة الاخوان المسلمين ترشيحها للمهندس خيرت الشاطر لمنصب رئاسة الجمهورية في مؤتمر صحفي لها بعد اعلان الجماعة عدم ترشيح أحد منها علي منصب الرئاسة، و الحقيقة أني لم أستغرب موقف الجماعة المتغير فالمستغرِب إما ساذج أو جاهل بالجماعة أما ما استوقفني هو كلام مرشد السمع و الطاعة في المؤتمر و الذي قال فيه بالحرف الواحد
"كنا صادقين في قرارنا الأول و مازلنا صادقين في هذه الاجراءات و سنظل صادقين مع الله أولا ثم مع شعبنا ثم معكم جميعا في كل ما نقول و نفعل ان شاء الله. أرجو أن تنقلوا هذه الصورة التي سأعرضها عليكم الآن و هي طلب استقالة قدم من الأخ الكريم المهندس خيرت الشاطر بمجرد علمه أنه قد تم اختياره من الجماعة و من الحزب ليكون مرشحنا الوحيد للرئاسة،....." !! و أنا لا أجد غير تفسيرين لهذا الكلام أحسنهما قبيح ؛ إما 'تمسكه بتعهد الجماعة أمام الله و الناس' و لذا فقد تقرر قبول استقالة الشاطر قبل ترشحه رسميا و بهذا تكون الجماعة قد وفت بتعهداتها و إما 'تمسكه بتعهد الجماعة بوعودها أمام الله و الناس' و رغم هذا فقد أعلنوا مخالفة تعهدهم ؛ فالأول تضليل و خداع و التفاف لا يقبله الله و لا الناس و الثاني مخالفة صريحة و تناقض واضح بين ما يقوله للتو في المؤتمر و بين سبب قيام المؤتمر من الأساس ،، و هذا ما يؤكد(جنبا الي جنب مع ما ذكرته في المقالة السابقة) أنها جماعة تقوم علي الكذب المؤسسي و البراجماتية المتنافية مع القيم و أن الموضوع ليس تغيير موقف بناءا علي متغيرات في الوضع السياسي الراهن و حسب كما يحاول المنتمين لهذه الجماعة تلقينه لنا بعد تلقينهم به علي أيدي قياداتهم ،، المهم أن المرشد كذب علنا أمام الناس و لم يستحي كما يفعل حليفه المشير؛ فنحن أمام جماعة دينية و مجلس عسكري كاذبان مضللان يتما الصفقات فيما بينهما علي دماء الشعب و تحطيما لآماله مكترثين فقط بشيئين الخروج الآمن و المكانة المميزة للعسكر من جهة و السلطة للاخوان من جهة آخري ..
                         المجلس العسكري مرعوب من تسليم السلطة لرئيس غير موالي له و شغله الشاغل (هو و أدوات حكمه) الآن هو الحفاظ علي مصالحه و بقاؤه دولة داخل دولة في الجمهورية الثانية الجديدة مع ضمان عدم الشروع في محاسبته علي جرائمه في الفترة الانتقالية أو ما قبلها ؛ لأكون أكثر دقة المجلس العسكري لن يقبل بأي رئيس يهدد مصالحه و لن يقبل برئيس من أبناء الثورة أو المنتمين لها (صباحي أو أبو الفتوح أو أبو اسماعيل) و في نفس الوقت هو يحبذ أي رئيس منتمي لنظام مبارك (شفيق أو موسي أو سليمان) .. المجلس العسكري (أو أدوات حكمه) أذكي من أن يسمح برئيس ثوري ثم ينقلب عليه بعد الاختلاف معه فيعكر صفو الديمقراطية التي يدعي أنه يحميها و يظهر أمام الشعب و العالم بمظهره الحقيقي الذي يحاول اخفاؤه ، هذا لن يحدث .. المجلس العسكري وجد أن فرص المرشحين الموالين له (شفيق و منصور حسن و العوا و سليمان) ضئيلة (باستثناء عمرو موسي) أمام تصاعد أسهم أبو الفتوح و أبو اسماعيل الشعبية و أدرك محدودية القاعدة الشعبية التابعة لكل منهم ،، فاستشعر المجلس العسكري الخطر فهو الآن أمام انتخابات بين أبو الفتوح و أبو اسماعيل و عمرو موسي علي المستوي الفعلي .. التزوير لصالح موسي هي ورقة و لكنها لابد أن تكون الأخيرة و أن تكون للطوارئ فقط و ليست حل سهل أو أولي لأن عواقبها وخيمة و ليست مضمونة ، تزوير الانتخابات أمر وارد جدا كحل أخير للمجلس العسكري في ظل عدم اصدار قانون فرز الأصوات في اللجان الفرعية و بالتالي يسهل اللعب في الصناديق أو تغييرها أثناء نقلها للجان المركزية للفرز (إلا أن التزوير بشكل محكم بعيد عن منظمات المجتمع المدني و المنظمات الحقوقية و الرقابة الشعبية و عن أي شريف يعترض طريق عملية التزوير يعد أمر ليس سهلا مع العلم بأنه غير مستحيل) كما أن أصوات المصريين في الخارج و التي تقدر ب ٨ ملايين صوت يمكن أن تكون أرض خصبة للتزوير لعدم وجود آلية لرقابة حقيقية عليها في ظل وجود سيطرة من المجلس العسكري علي السفارات .. 
                       المجلس العسكري وجد نفسه أمام ثلاث مرشحين ذو ثقل شعبي نسبي بينهم اثنان (أبو الفتوح و أبو اسماعيل) لا يرغب فيهما و يشكلان خطرا عليه و واحد تابع و حليف له (عمرو موسي) ،، و هذا أمر خطير لا يوازن خطورته التعويل علي تزوير الانتخابات و حسب، فقرر المجلس العسكري اللجوء للاخوان كما كان يفعل نظام مبارك دائما و اتفقا علي ترشيح الشاطر إما لفوزه (و هما قادران علي انجاحه عن طريق الحشد الشعبي  الذي يقوم به الاخوان و عن طريق التزوير الذي يقوم به المجلس العسكري في غياب الرقابة الشعبية المتعمدة من الاخوان أو وجودها و تقاعسها عن أداء دورها أو القيام بدورها علي استحياء) و إما لتقسيم الأصوات الاسلامية التي كانت متجهة نحو أبو الفتوح و أبو إسماعيل علي ثلاثة بدلا من اثنين فيبزغ نجم عمرو موسي مرشح العسكري و يفوز بمساعدة التزوير طبعا إن لزم الأمر ،، و بهذا يكون المجلس العسكري قد أبعد أبو الفتوح و أبو اسماعيل و أعطي السلطة للشاطر أو موسي (للحفاظ علي مصالحه) بمساعدة الاخوان مقابل الانفراد بكتابة الدستور و عدم حل البرلمان و مقابل أن يحصل الاخوان علي السلطة عن طريق الشاطر (وفقا للاحتمال الأول) أو يتركوها لموسي الذي سيفشل متحملا أعباء و تحديات المرحلة القادمة وحده فينقضوا علي السلطة بعد ذلك (وفقا للاحتمال الثاني) ..
                       الصفقة واضحة جلية و لكن ربما أسمع أصواتا تقول لماذا هذا الجزم ؟ و من أين هذا التأكد ؟ أقول الشواهد كثيرة ؛ فقد صدر حكم قضائي من المحكمة العسكرية يرد اعتبار خيرت الشاطر(علي إثر قضية 'الميليشيات' المعروفة) و يتيح له مباشرة حقوقه السياسية  و كان ذلك يوم ٣/٢٤ (حسب عبد المنعم عبد المقصود محامي الجماعة) و ذلك هو نفس اليوم الذي أصدرت فيه الجماعة بيان شديد اللهجة ينتقد المجلس العسكري ، فهل يعقل هذا ؟ هل يعقل أن يصدر حكم قضائي عسكري بالعفو عن نائب مرشد الجماعة و الرجل الأول و صانع سياسات الجماعة في نفس اليوم الذي تصدر فيه الجماعة هذا البيان ؟ ألا يدل هذا علي وجود صفقة ؟ ألا يدل علي أن الصدام بين الاخوان و العسكر كان مفتعلا ؟ ثم يعفو المجلس العسكري يوم ٣/٢٨ عن أيمن نور (الذي يعلم الجميع أن ليس لديه كتلة تصويتية) ليظهر المجلس العسكري بمظهر من يعفو عن الجميع عندما يرشٓح الشاطر بعد ذلك بثلاثة أيام و نعلم حقيقة العفو عنه .. ثم يأتي أبو الفتوح و يقول أنه لا يصدق أن هناك خلافا بين الاخوان و العسكري من الأساس و يؤكد وجود اتفاق فيما بينهما علي ترشيح الشاطر ،، ثم يؤيد هذا الكلام و يكرره كمال الهلباوي القيادي الكبير بالجماعة و الذي قدم استقالته اعتراضا علي ترشيح الشاطر و مواقف الجماعة فأعلنت الجماعة أن الهلباوي ليس عضوا بها و أن استقالته ليست إلا فرقعة اعلامية رغم أن الموقع الرسمي للجماعة قد أعلن في ٢٠١١/٥/١٠ أن الهلباوي قيادي بجماعة الاخوان بعد ما قال مهدي عاكف المرشد السابق علي الموقع الرسمي للجماعة أيضا أن عودة الهلباوي ترجمة لنجاح الثورة و كان ذلك في ٢٠١١/٤/٦ مما يؤكد علي أنها جماعة تكذب كذبا بينا و لا تستحي .. أيضا لماذا اجتمع الشاطر و مرسي مع المجلس العسكري يوم ٣/٣٠ صباحا أي قبل ترشيح الشاطر ب ٢٤ ساعة ؟ هل كانت صدفة ؟ الجواب لك ..
                     هذه هي جماعة الاخوان التي كانت تتفق مع الانجليز ضد الشعب ، و هذه هي جماعة الاخوان التي وقفت مع اسماعيل صدقي جلاد الشعب ضد المظاهرات الشعبية التي كانت تقوم بها اللجنة الوطنية للطلبة و العمال (والتي نجحت في اجبار الانجليز علي الانسحاب من البلاد و تمركزهم في منطقة القناة) و أخذوا يعتدون علي المتظاهرين بالضرب في كارثة وطنية مريرة ، هذه هي جماعة الاخوان التي باركت قرار عبد الناصر بحل الأحزاب و وقفت معه ، هذه هي جماعة الاخوان التي استخدمها السادات و أقام معها الصفقات ، هذه هي جماعة الاخوان التي اتفقت مع نظام مبارك علي صفقة مجلس الشعب ٢٠٠٥ ، و أخيرا هذه هي جماعة الاخوان التي اتفقت مع عمر سليمان عن طريق الكتاتني و محمد مرسي علي الانسحاب من ميدان التحرير قبل موقعة الجمل مقابل الافراج عن الشاطر و حسن مالك و الاعتراف السياسي و بالفعل فقد حاولا (الكتاتني و مرسي) و بذلا مجهودا لسحب الشباب من الميدان إلا أن شباب الاخوان رفضوا بشدة؛ أي أن الاخوان باعوا الثورة قبل موقعة الجمل من أجل مصالحهم الشخصية و عقدوا اتفاقا مع نائب مبارك يتم بموجبه قتل الثورة المصرية و لولا رحمة الله و صلابة شبابنا من الاخوان و غيرهم ما كانت الثورة المصرية أمام صفقة الاخوان و سليمان القذرة ..
                      الاخوان و المجلس العسكري اتفقا علي تقسيم الكعكة و أخرجا الشعب من حساباتهما بعد ما تمكنا سويا من تثبيط القوي الثورية و الشعبية و لكني أقولها بكل اليقين و الاقتناع أن وقتهما لن يطول و أن الثورة لن ترحم أي مجرم أو مخادع مهما كبر حجمه أو عظمت قوته ،، اتفقا علي مصيركما سويا كيفما شئتم فوالله لن يحدد مصيركما إلا الثورة ؛ ثورة الحق و العدل ،، لا تعجبكما قوتكما و كثرة تابعيكما فوالله الحق أحق أن يتبع و لو بعد حين ،، أقول لكما الثورة ستنتصر رغم أنفكما ان شاء الله و ستكونا من الأخسرين .. الثورة تسير في مسارها الطبيعي الآن و القارئ لعلم الثورات يعلم جيدا أنه بعد الموجة الأولي من الثورات الكبري يحكم البلاد المتطرفون ثم يثور عليهم الشعب (في الموجة الثانية من الثورة) بعد فترة ليست بكبيرة ثم يأتي بعد ذلك حكم المعتدلون ! لا يوجد ثورة نجحت من الموجة الأولي و لكننا كنا آملين في هذا طمعا و حبا لبلادنا و كنا قادرين لولا خيانة الاخوان و العسكر لنا .. علي كل حال ،، الأمر يتطلب موجة ثانية من الثورة (حتي و لو بعد حين فهذا طبيعي) لازالة المعوقات التي تعوقنا عن اللحاق بركب تقدم الأمم و نحن أهل لذلك و قادرين عليه ؛ اللهم أعنا و انصرنا و لا تترك فينا لئيما و لا خبيثا ،، اللهم أهلك الظالمين المجرمين ،، اللهم أخرجنا من بينهما سالمين غانمين. آمين ..

No comments:

Post a Comment