Monday, 9 April 2012

عوار القضاء المصري

              غياب العدل هو الأصعب و الأقصي و الأشد علي أي دولة أو حتي مجموعة أو فرد ، فعندما يغيب العدل يُدمَّر الفرد فتهدم الدولة أو علي أحسن تقدير تشل و تعجز عن النهوض .. و هذا ما حدث أو أحدثه نظام مبارك الذي مازال يحكمنا حتي الآن للأسف الشديد .. تدخل مبارك و نظامه في القضاء المصري و أفسدوه ثم بعد انجاز مهمتهم أخذوا يظهرون في وسائل الإعلام متشدقين علينا بعبارات من نوعية 'القضاء المصري الشامخ' و 'لم و لن نتدخل في أعمال القضاء' و 'لن نتواني في تنفيذ أحكام القضاء' فكرروا الكذبة علي الشعب حتي كادوا يصدقونها و كادوا ينجحون في تلقينها لشعبنا العظيم .. 
                  المجلس العسكري سائر بخطيً ثابتة واثقة علي درب مبارك في تعامله مع القضاء المصري ؛ و كانت أبرز هذه الخطي التدخل السافر في شئون القضاء عن طريق استخدام المستشار
عبد المعز ابراهيم في الضغط علي المستشار الشريف محمود شكري لاملائه الحكم بالتليفون في القضية المشهورة الشهيرة بقضية التمويل الأجنبي ، و التي أسفرت عن تنحي شكري عن نظر القضية و اسناد القضية لقاضي كان يعمل في أمن الدولة و تم الغاء قرار حظر سفر المتهمين الأجانب في القضية عن طريقه (و أتت طائرة عسكرية أمريكية إلي مطار القاهرة لتأخذهم دون تصريح في انتهاك واضح لسيادة الدولة تحت رعاية المجلس العسكري) .. الأخطر و الأهم من ذلك هو نتائج اجتماع أعضاء الجمعية العمومية لقضاة محكمة استئناف القاهرة الذي كان يهدف الي الفصل في استمرار عبد المعز في إدارة شئون المحكمة ؛ فقد جائت نتائج تصويت الجمعية العمومية مخيبة للآمال و مفجرة لأزمة تبعية القضاء ؛ فقد صوت ١٥٤ قاضي من الأعضاء لمصلحة استمرار عبد المعز في ادارة شئون المحكمة مقابل ١٠١ قاضٍ صوتوا ضد بقائه ، الأمر الذي يعني أن ٦٠ ٪ من قضاة الاستئناف صوتوا لقرار مشين و أنهم لا يجدون غضاضة في تدخل السلطة التنفيذية في صميم عملهم و أن هؤلاء ال ٦٠٪ (من أمثال عبد المعز) هم من تستخدمهم السلطة و تضعهم في الأماكن و المناصب الحساسة ،، ربما لا نستطيع أن نغفل وجود قضاة من أمثال ال ٤٠٪ المحترمين المستقلين ؛ و هنا نقول أن مصر بها قضاة مستقلين و شرفاء لكن بها قضاء مؤسسي غير مستقل تستخدمه السلطة و تحرص دائما علي تجريفه و لا مانع من وجود تيار مستقل أشبه بالمعارضة داخل مؤسسة القضاء ما دام غير مؤثر و مسيطر عليه و محجم .. عبد المعز اختاره المجلس العسكري ليكون رئيس اللجنة القضائية المشرفة علي انتخابات مجلس الشعب (ولم يكن اختيارا عشوائيا) و كان واضحا للعيان من تصريحاته و مؤتمراته الصحفية تبعيته للمجلس العسكري و كان لا يأخذ أو يجرؤ علي اتخاذ قرار دون الرجوع للمجلس العسكري و لذا لم يحرك ساكنا عندما قُدم طعون كثيرة ضد مجلس الشعب و لم يكن جادا في التعامل مع البلاغات المقدمة اليه بالتجاوزات التي رُصدت لأنه يعلم عواقب قراراته علي الموقف السياسي التي لم يكن ليدير لها اهتماما اذا كان قاضٍ شريف و لكنه لم يأخذ الإذن من المجلس العسكري فتغاضي عنها .. الجدير بالذكر أن عبد المعز عضو باللجنة القضائية المشرفة علي انتخابات الرئاسة التي تم تحصينها بالمادة ٢٨ ، اذا فما المانع من تزوير الانتخابات الرئاسية و اللجنة القضائية المشرفة عليها بها قاضٍ مثل عبد المعز أبعد ما يكون عن النزاهة و الاستقلالية و أقرب ما يكون من التبعية للمجلس العسكري ؟ و ما الذي يضمن لنا استقلالية اللجنة القضائية و بها قاضي مثل عبد المعز ؟ و ما الذي يضمن لنا عدم تلقيه تليفون من المجلس العسكري أثناء عمل اللجنة ؟ 
                  يخطئ من يتصور استقلالية أي لجنة قضائية مشرفة علي أي انتخابات أو أي محكمة تنظر قضية حساسة في البلاد تحت حكم المجلس العسكري .. فقد أرسل المستشار أحمد رفعت قاضي محاكمة مبارك ببرقية تأييد للمستشار عبد المعز ابراهيم تم قراءتها في الدقائق الأولي من فاعليات الجمعية العمومية غير العادية لقضاة محكمة استئناف القاهرة التي أبقت عبد المعز في منصبه ! اذا فما المانع من تلقي رفعت التعليمات بالتليفون في قضية محاكمة مبارك ما دام يدافع عن زميل له تلقي تعليمات من المجلس العسكري بالتليفون ؟ لا مانع اذا ؛ و الشواهد كثيرة فعلي أقل تقدير هو يسمح لنفسه بأن يضع متهم (مبارك) قدميه في وجه المحكمة رغم علمه بعدم وجود داعي لهذا في امتهان شديد لكرامة المحكمة و القضاة ؛ لكنه لا يمانع ما دام هذه هي رغبة المجلس العسكري (الذي قال يحيي الجمل و حسنين هيكل كلٌ علي حدة في مناسبات متفرقة أنهما سمعا أعضاء من المجلس العسكري يقولون انهم لا يريدون 'بهدلة' مبارك في المحاكمة) .. 
                 و علي صعيد آخر نسمع كل فترة خبر ينزل علينا كالصاعقة بتبرئة محكمة كذا عدد من قتلة المتظاهرين في بجاحة و تحدي منقطعتي النظير للعدل و الحق و دماء الشهداء و يحدث هذا في السويس و الاسكندرية و القاهرة و لم يعاقب القضاء المصري أحدا من قتلة المتظاهرين حتي الآن رغم علم و رؤية بعض أهالي الشهداء قتلة أبنائهم أثناء ارتكاب الجريمة و في هذا خطر كبير في ظل غياب العدالة بسبب سيطرة المجلس العسكري و أدوات حكمه علي دوائر محاكمات قتلة المتظاهرين ، و أخشي نشوء فكرة الثأر باليد في ظل غياب عدالة الدولة لأنها فكرة خطيرة حقا .. و علي صعيد متصل (علي سبيل المثال لا الحصر) فقد قال قاضي التحقيق في قضية مجلس الوزراء لمتهم 'ايه اللي وداك التحرير؟' رد المتهم عشان 'أسقط حكم العسكر' قال له 'ده العسكر اللي حاميينك' حسب محمد عبد العزيز المحامي و الناشط الحقوقي بمركز النديم ، هل هذا قاضي مستقل؟ هل كلامه له علاقة بالتحقيق؟ أشك ..
                   اذا نحن أمام قضاء مصري غير مستقل و غير نزيه بشكله المؤسسي رغم وجود قضاة شرفاء ليس لهم دور فعلي و مهمشين بفعل السلطة التنفيذية .. و هنا تقع الخطورة و الكارثة ففي ظل قضاء مسيطر عليه من أجهزة الأمن و من السلطة التنفيذية ، لا أري قيام للدولة .. فلا دولة تقوم علي الظلم ، و لا ظلم مع دولة ناجحة قوية مستقلة .. المجلس العسكري فاشل و ظالم و هو امتداد فعلي لنظام مبارك الذي كان جزءا لا يتجزأ منه .. اللهم أنزل علينا عدلك و أهلك الظالمين بقدرتك انك كنت بنا بصيرا ..

No comments:

Post a Comment