Monday, 19 September 2011

أحداث سفارة من لا دولة له


              انقسم المحللون السياسيون والنخبة المثقفة في مصر حول أحداث السفارة الإسرائيلية فمنهم من أيد وأغلبهم من عارض ولكن افتقد جميعهم (إلا من رحم ربه) التحليل المنطقي ودراسة الأمر من جميع الجوانب. أولاً أريد أن أعرف ما الذي أدي بهؤلاء الشباب إلي اقتحامها؟ من الذي سكت علي قتل 6 مصريين علي الحدود برصاص الصهاينة؟ كم من الوقت مضي علي قتلهم والسلطات المصرية صامتة؟ هل هي أول ظاهرة أمام السفارة الإسرائيلية؟ هل استجاب المجلس الأعلي للقوات المسلحة لضغوط الشعب المشروعة في اتخاذ موقف رسمي تجاه ما حدث؟ هل وافق المجلس الأعلي علي حضور القائم بأعمال السفير المصري في إسرائيل حفل إفطار الرئيس الإسرائيلي بيريز بعد قتل جنودنا بيوم واحد؟ هل تأثر المجلس العسكري بموقف تركيا الدبلوماسي القوي تجاه إسرائيل؟
هنا تكلمت عن الدوافع البشرية لدي هؤلاء الشباب التي أدت بهم إلي هذا الاقتحام و أري أنها دوافع قوية عند أي شعب أبي يثور لكرامته بعدما فقد  الأمل في حاكمي بلاده وفقد الأمل في رد فعل رسمي قوي يعبر عن كرامة المصريين التي استهان بها المجلس العسكري.
             ننتقل إلي شق آخر في التحليل وهو مدي الاستفادة من هذا الحدث (الاقتحام) وسمعت في الساعات القليلة الماضية كثير من الأصوات تدعي عدم أهمية هذا الاقتحام بل وتأثيره السلبي علينا، واختلف معهم بشدة فقد نجحنا كشعب في إرسال رسالة غضب شديدة اللهجة رجت أنحاء العالم ورأينا أوباما يستنجد بالسلطات المصرية طالبا الدفاع عن السفارة ورأينا إسرائيل والنتنياهو مرعوبين ومتخبطين تخبط فشل الموقف الرسمي للدولة المصرية في فعله ففعلته الإرادة الشعبية بشجاعة بالغة، ورأينا إسرائيل تجلي رعاياها عن مصر ورأينا السفير الإسرائيلي يخرج من أرضنا مهانا منكسرا، ورأينا البي بي سي تقول "غضب شديد تمثل في الاقتحام بعد قتل الجنود المصريين علي الحدود وسكوت المجلس العسكري". فقد أرسل الشعب المصري رسالتين شديدتين اللهجة رسالة خارجية بنفس درجة القوة الدبلوماسية أو أقوي الي إسرائيل بأن الشعب المصري سوف لا يسكت عن أي انتهاكات أو بلطجة صهيونية وأن ردنا سيكون قوي بل وعنيف حتي لو تهاون النظام السياسي المصري في الرد ورسالة أخري داخلية للقيادة السياسية الحالية والقادمة أن الشعب هو الذي سيحدد السياسة الخارجية للدولة وأنه لن يقبل أي تهاون بكرامة مصر ولن يقبل السلبية السياسية التي تصل إلي درجة التواطؤ وأن القيادة السياسية لابد أن تكون علي مستوي تاريخ مصر وحضارة شعبها وكرامة أبنائها.
               ننتقل إلي شق آخرف في التحليل وهو مدي الأضرار التي ستسقط علينا إزاء هذا الاقتحام، وهي بمنتهي البساطة صفر والأيام ستثبت ذلك، فسمعت من يقول انتهاك لمواثيق دولية فالسفارة الأجنبية علي أرضك بموجب اتفاقية فيينا سنة 1961م لديها حصانة خاصة والدولة المضيفة ملزمة بحمايتها، أقول لك أنت محق فهذا كلام صحيح ولكنك جردت الحدث من سياقه ونسيت أو تناسيت أن 6 من الجنود المصريين قتلوا علي الحدود برصاص الصهاينة وحدث خرق واضح وصريح لاتفاقية كامب ديفيد التي وقعتها إسرائيل مع مصر، فإذا كان الاقتحام حدث بدون قتل لجنودنا فهنا يكون كلامك صحيحا، أما في هذه الحالة عندما تتكلم عن خرق معاهدات دولية مع دولة خرقت معاهدتها الدولية معك منذ شهر تقريبا يكون كلامك فارغ والانصات له مضيعة للوقت، وإذا وضعنا اقتحام سفارة ورمي عدة أوراق من شرفاتها في كفة ومقتل 6 جنود واستباحة أرضك عبر اقتحام الحدود في كفة أخري فسوف تري سوء تقديرك للموقف ونظرتك السطحية له عزيزي معارض الاقتحام. أما إذا تلكمنا عن الإحراج أمام المجتمع الدولي فهذا أمر ساذج لأن إسرائيل تخرق معاهداتها معنا كل سنة تقريبا و"المجتمع الدولي"لا يُحرج وإسرائيل لا تُحرج. أسمع صوت يقول لي هم أخطأوا فلماذا نضيع حقنا بخطأ تجاههم، أقول لك أنت لم تضع حقك لأنك لم تكن لتأخذه في ظل قيادة سياسية كهذه ورد فعل الشعب المصري العظيم علي هذا الانتهاك الإسرائيلي السافر هو الذي أعطي لك جزء من حقك، فكن واقعي حقك لم تكن لتأخذه وموقف المجلس العسكري أو اللاموقف غير دليل علي ذلك، فدع العالم يسمع ويعرف غضب الشعب المصري حين خرصت الدبلوماسية المصرية علي مقتل جنودنا الشهداء.
               دعنا ننتقل إلي جانب النتائج المترتبة علي الاقتحام في تحليلنا، وهنا سيعرف العالم أن الشعب المصري لا يقبل أي انتهاك أو انتقاص من كرامته خصوصا من العدو الصهيوني. العدو الصهيوني أصبح يخاف رد فعل الشعب المصري وسيعمل لنا ألف حساب فقد ولي عهد الاستهانة والمهانة مع عهد مبارك. أي حاكم لمصر سيعيد تقييم علاقتنا بإسرائيل وسيرضخ لمطالب شعبه ومصلحة بلده وبالتالي سيضع إسرائيل في موضعها الطبيعي كعدو استراتيجي أبدي لنا وسيحافظ علي كرامتنا من خلال معاهدات دولية متكافئة لا تفتقد الندية والمساواة وسيطلب تعديل أي معاهدة تنتقص منا أو تسلبنا حقوقنا أو سيادتنا، فالغضب الشعبي طرد الدبلوماسيين الإسرائيليين وسوف تكون الكلمة للشعب فيما بعد، هذه هي النتائج، أما من يري أي نتائج أخري مثل عقوبات علي مصر أو توبيخ أو تهديد فهو واهم والتاريخ يثبت ذلك، ففي عام 1979 احتجز الإيرانيون دبلوماسيين في السفارة الأمريكية لمدة تزيد عن عام ووضعت أمريكا في موقف صعب سياسيا ودبلوماسيا واضطرت للتفاوض مع عدوها اللدود إيران واستطاعت إيران أن تحصل علي أسلحة من أمريكا مقابل تسليمهم واستخدمت هذه الحادثة في الترويج ضد كارتر رئيس أمريكا الأسبق. والأمثلة عديدة آخرها حادثة اقتحام السفارة الأمريكية في دمشق خلال أحداث الثورة السورية ولم يحدث شيئا، لا نتائج لحادث الاقتحام سوي التي ذكرتها ولو فتح التحقيق في قضية الاقتحام لابد أن يفتح تباعا في قضية قتل الجنود وحتما سيكون في صالحنا كما حدث مع أمريكا والصين في حادثة اعتداء أمريكا خطئا علي السفارة الصينية وقت ضرب يوغسلافيا فقام الشعب الصيني باقتحام السفارة الأمريكية في بكين وكان فارق التعويض لصالح الصين بنسبة كبيرة جدا 28 مليون مقابل 3 مليون دولار أي 25 مليون دولار للصين، وهنا أسمع صوتا يقول لي ولماذا لا تأخذ الـ28 مليون بدون أن تدفع الـ3 مليون كمصر، أقول له التحقيق إذا فتح فسيكون بفضل الاقتحام لأن المجلس العسكري عجز عن اتخاذ أي موقف فهناك احتمالان ألا يفتح التحقيق وسوف لا نخسر شيئا أكثر مما خسرنا أو يفتح التحقيق ونأخذ فارق تعويض يصل إلي ملايين الدولارات وهنا تكون فائدة الاقتحام علي أرض الواقع..
               أخيرا أعلن تأييدي الكامل للاقتحام في سياق الأحداث التي ذكرتها في السطور السابقة وأتفهم أن الغضب الشعبي لا يمكن مقابلته أو تفسيره بالتنظير الذي وقع فيه معظم النخبة. كما أن النخبة وقعوا في فخ كبير أكبر من فخ الوقوع في التنظير ألا وهو الغباء السياسي الذي واجهوا به أحداث السفارة متوهمين أنهم بذلك يصححون مسار الثورة ويعلنون عن أخطائها تفاديا لحدوثها مرة أخري واستخدموا ديباجات تحتوي علي كثير من المغالطة مثل "مش هنهدم إسرائيل باقتحام سفارتها، إنما بدولة العلم"وكأن اقتحام السفارة كان هدفه تحرير فلسطين، وهذه مغالطة شديدة فالاقتحام تعبير عن الغضب الشعبي لا أكثر ولا أقل، وتحرير فلسطين وهدم إسرائيل لن يأتي إلا بدولة العلم متفقين ولكن لا مجال لذكر حقيقة مطلقة ليس لها أي علاقة بالاقتحام تعقيبا علي الاقتحام مما يوحي بالتضليل ومثل "المجلس العسكري ليه حق بقي علي كده يطلع تاني يوم بعد الفترة الانتقالية ويفرض أحكام عرفية" وكأنهم يملون علي المجلس العسكري الحجة مسبقا في غباء سياسي منقطع النظير فكأنهم يقولون للمجلس (ليك حق لو عملت كده) فهم أملوا عليه القرار (بتمديد الفترة وكذا وكذا) وأملوا عليه الحجة (الفوضي والاقتحام وكذا وكذا) وكان الأجدي أن يستخدموا ورقة الاقتحام في الضغط علي المجلس بأن يقولوا أنه هو السبب في ازدياد غضب الشارع المصري وأنه تخلي عن مسئولياته وتصرف برعونة شديدة توحي بالتواطؤ مما دفع الشعب إلي فعلته سئما من المجلس وسلبيته السياسية ونضغط علي المجلس من هذا المنطلق (الصادق والواقعي) لتحقيق مطالبنا بدلا من إيجاد له المبرر علي عدم تنفيذ مطالبنا (خصوصا لو كان مبرر واهي ضعيف الحجة) هذا هو الذكاء السياسي الذي افتقده أغلبية النخبة وأشعروني أنا شخصيا بخيبة الأمل فيهم وفي ذكائهم. ولكني لم ولا ولن أشعر لحظة بخيبة أمل في وطني مصر وسأظل حالما متيقنا بمستقبل أفضل لبلادي وباستعادة المجد والتقدم والاستقلال والكرامة والريادة لمصر..
عاشت مصر قوية مستقلة رغم أنف الكارهين المغرضين

No comments:

Post a Comment